المواطن 24..
بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

تشهد المنظومة الرقمية العالمية تحولًا عميقًا بفعل الثورة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد تطوير البرمجيات حكرًا على المبرمجين المتخصصين القادرين على كتابة آلاف الأسطر من الشيفرة البرمجية، بل أصبح بالإمكان تحويل الفكرة أو التصور إلى تطبيق رقمي عبر أدوات ذكية قادرة على توليد الكود تلقائيًا. وفي هذا السياق ظهر مفهوم حديث في عالم التكنولوجيا يعرف بـ البرمجة الحدسية أو Vibe Coding، وهو أسلوب جديد في تطوير البرمجيات يعتمد على توجيه الذكاء الاصطناعي عبر وصف الفكرة أو الهدف العام للتطبيق، ليقوم النظام الذكي بتوليد الشيفرة البرمجية بشكل شبه آلي، مع ترك دور المبرمج في المراجعة والتوجيه والتطوير.
لقد غيّرت هذه المقاربة الجديدة مفهوم البرمجة التقليدية التي كانت تعتمد أساسًا على المهارات التقنية العميقة في لغات البرمجة، إذ أصبح بإمكان رواد الأعمال والباحثين والمبتكرين تحويل أفكارهم الرقمية إلى نماذج تطبيقية بسرعة غير مسبوقة. فبدل أن يقضي المطور ساعات طويلة في كتابة الخوارزميات وبناء الهياكل البرمجية، أصبح يكفي أن يصف الوظائف المطلوبة للتطبيق، مثل إدارة العملاء أو تحليل البيانات أو إعداد نظام محاسبي، ليقوم الذكاء الاصطناعي بتوليد البنية الأساسية للكود، وهو ما يختصر مراحل طويلة من التطوير.
من الناحية الاقتصادية، يمكن فهم هذه الظاهرة في إطار التحولات التي تشهدها اقتصادات المعرفة، حيث أصبح الابتكار الرقمي أحد أهم محركات النمو الاقتصادي في العالم. وتؤكد نظريات الاقتصاد الرقمي أن تقليص الحواجز التقنية أمام الابتكار يساهم في تسريع وتيرة إنشاء الشركات الناشئة وتحفيز الاستثمار في الاقتصاد الرقمي. ومن هذا المنطلق، تمثل البرمجة الحدسية أداة فعالة لتمكين الأفراد والمؤسسات من تطوير حلول رقمية بسرعة، مما يعزز القدرة التنافسية في الأسواق العالمية.
أما من المنظور الاجتماعي، فإن انتشار أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي يعكس تحولًا عميقًا في طبيعة العمل المعرفي. فبدل أن تظل البرمجة مهارة تقنية نخبوية، أصبحت اليوم مهارة يمكن تعلم أساسياتها وتوظيفها من قبل فئات واسعة من المجتمع، بما في ذلك الباحثين في الاقتصاد والقانون والإدارة. وهذا التحول ينسجم مع نظريات التحول الرقمي التي تؤكد أن التكنولوجيا الحديثة تسهم في دمقرطة المعرفة وتوسيع فرص الابتكار لدى الأفراد والمؤسسات.
وفي الإطار القانوني والتنظيمي، يثير هذا التطور التكنولوجي تساؤلات مهمة حول مسؤولية الأنظمة الذكية التي تولد الشيفرة البرمجية، وحول حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالكود المنتج عبر الذكاء الاصطناعي. فمع توسع استعمال هذه الأدوات، أصبح من الضروري تطوير أطر تشريعية وتنظيمية قادرة على مواكبة التحولات الرقمية وضمان حماية الابتكار، مع الحفاظ على التوازن بين تشجيع التطور التكنولوجي وضمان الأمن الرقمي والشفافية.

إن البرمجة الحدسية ليست مجرد تقنية جديدة، بل تمثل مرحلة متقدمة في تطور العلاقة بين الإنسان والآلة، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في عملية الإبداع الرقمي. فالمبرمج في هذا النموذج لم يعد مجرد كاتب للشيفرة، بل أصبح موجّهًا استراتيجيًا للذكاء الاصطناعي، يحدد الأهداف ويصمم الحلول ويشرف على تطويرها.
وفي ضوء هذه التحولات، يتضح أن مستقبل تطوير البرمجيات سيتجه نحو نماذج أكثر تكاملًا بين القدرات البشرية والذكاء الاصطناعي، مما سيسهم في تسريع الابتكار وإعادة تشكيل الاقتصاد الرقمي العالمي. إن هذا التحول يمثل فرصة كبيرة للدول والمؤسسات التي تسعى إلى تعزيز مكانتها في اقتصاد المعرفة، ويؤكد أن القدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي بفعالية ستصبح أحد أهم عناصر التنافس في العصر الرقمي.


