الموالطن24
المرصد المغربي لحماية وتخليق المرفق العام بآسفي يراسل عبر مراسلة مفتوحةكل من وزير الداخلية وعامل إقليم آسفي عن مصير عدد من سيارات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مركونة منذ سنوات بإحدى محاجز البلدية بحي شنقيط شمال آسفي وبالضبط وراء الملحقة الإدارية الرابعة معروضة للتلف.
في قلب مدينة آسفي، المدينة التي طالما عرفت بتاريخها العريق ودورها الاقتصادي الهام، تتجلى تحديات إدارية ومالية تلقى بظلالها على مسيرة التنمية. وفي هذا السياق، يبرز دور المجتمع المدني كرقيب وشريك أساسي في ضمان الشفافية والفعالية في إدارة الموارد العمومية. ومن بين الهيئات الفاعلة في هذا المجال، يأتي المرصد المغربي لحماية وتخليق المرفق العام بآسفي، الذي لم يدخر جهداً في تسليط الضوء على القضايا التي تمس الصالح العام. وقد اتخذ المرصد مؤخراً خطوة جريئة بإرسال مراسلة رسمية مفتوحة إلى كل من السيد وزير الداخلية والسيد عامل إقليم آسفي، مستفسراً عن مصير عدد من سيارات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والتي أصبحت بحكم التلف، مركونة منذ سنوات بإحدى محتجزات بلدية آسفي الواقعة في حي شنقيط شمال المدينة. هذه المراسلة ليست مجرد استفسار إداري، بل هي صرخة مدوية تدق ناقوس الخطر حول سوء تدبير الموارد، وتهدر المال العام، وتقوض أهداف التنمية التي أسست من أجلها هذه المبادرات.
تمثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، إحدى الركائز الأساسية لسياسة التنمية في المملكة، وتهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للفئات الأكثر هشاشة، ومكافحة الفقر والإقصاء الاجتماعي، وتعزيز التمكين الاقتصادي والاجتماعي. إن تخصيص موارد مالية وبشرية هامة لهذه المبادرة يتطلب أقصى درجات الحرقة والمسؤولية في إدارتها واستغلالها. ومن هذا المنطلق، فإن تراكم عدد من سيارات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في وضعية تلف وسوء استغلال، هو أمر لا يمكن السكوت عنه. فكل سيارة أصبحت خارج الخدمة، هي في الواقع استثمار ضائع، ومورد تم تعطيله، وفرصة تنموية أهدرت.
إن وجود هذه السيارات في حالة تلف بإحدى محتجزات البلدية يعكس عدة مظاهر مقلقة. أولها، يتعلق بسوء التدبير والتخطيط. فمن المتوقع أن تخضع المركبات العمومية لبرامج صيانة دورية، وأن يتم استبدالها عند نهاية عمرها الافتراضي، أو بيعها في مزادات علنية لتحصيل قيمتها، بدلاً من تركها لتتحول إلى خردة. ثانيها، هو ما يتعلق بالإتلاف المتعمد أو الإهمال الشديد. فترك هذه السيارات معرضة للعوامل الجوية والأعمال التخريبية هو إهدار صريح للمال العام، وهو ما يتعارض تماماً مع مبادئ الشفافية والحكامة الرشيدة التي تسعى المملكة إلى ترسيخها. ثالثها، هو التساؤل حول الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع. هل كان هناك خلل في آليات التوزيع أو الاستخدام؟ هل تم شراء هذه السيارات لغايات غير مرتبطة مباشرة بأهداف المبادرة؟ هل هناك تجاوزات أو فساد وراء هذا الإهمال؟ هذه الأسئلة وغيرها تدفع المرصد المغربي لحماية وتخليق المرفق العام بآسفي إلى المطالبة بتوضيحات شافية.
تعتبر السيارات في سياق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أدوات حيوية لتحقيق أهدافها. فهي تستخدم غالباً في نقل المواد والمعدات، وفي زيارات الميدانية لمشاريع التنمية، وفي نقل المستفيدين، وفي تقديم الخدمات المتنقلة، وفي دعم المبادرات المحلية. وبالتالي، فإن أي تعطل لهذه المركبات يعني بالضرورة تعطيل جزئي أو كلي للأنشطة والمشاريع التي تدعمها المبادرة. وهذا ما يؤثر بشكل مباشر على الفئات المستهدفة، والتي غالباً ما تكون في أمس الحاجة إلى الخدمات والدعم. إن هذه السيارات، في حالتها الجيدة، يمكن أن تكون محركات حقيقية للتنمية، ولكن في حالتها الراهنة، أصبحت مجرد شاهد على فشل إداري أو إهمال جسيم.
إن مراسلة المرصد المغربي لحماية وتخليق المرفق العام لوزير الداخلية وعامل إقليم آسفي تأتي في سياق تفعيل دوره الرقابي والمجتمعي. فالمرصد، كمنظمة غير حكومية، يسعى إلى سد الثغرات التي قد تنشأ في الأنظمة الإدارية، ورفع الوعي العام حول قضايا الشفافية والمساءلة. إن هذه المبادرة تعكس وعياً بأهمية الدور الذي تلعبه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وإدراكاً للتداعيات السلبية لسوء استغلال مواردها. كما أنها تشكل دعوة صريحة للسلطات المعنية لتحمل مسؤولياتها في التحقيق في هذا الملف، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتصحيح الوضع.
تكمن أهمية هذه المراسلة في كونها تضع هذه القضية على طاولة المسؤولين المركزيين والمحليين. إن وزارة الداخلية، بصفتها الجهة الوصية على الشأن المحلي، وعامل الإقليم، بصفته ممثل السلطة المركزية في الإقليم، لهما صلاحيات واسعة للتدخل ومعالجة مثل هذه الإشكاليات. ويتوقع من هذه الجهات أن تفتح تحقيقاً شاملاً لمعرفة أسباب هذا الإهمال، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات التأديبية اللازمة في حق المتسببين، بالإضافة إلى إيجاد حلول عملية لهذه السيارات. الحلول قد تتضمن إما إعادة تأهيلها وصيانتها وإعادتها إلى الخدمة إن كانت قابلة للإصلاح، أو بيعها في مزاد علني لضمان استعادة جزء من قيمتها، أو حتى التبرع بها لجهات أخرى إذا ما ثبت أن صيانتها غير مجدية اقتصادياً. الأهم هو ألا تظل هذه السيارات حبيسة الإهمال.
تعتبر الشفافية في إدارة المال العام مبدأ أساسياً من مبادئ الحكامة الجيدة. وعندما يتم تداول أخبار عن وجود أصول عمومية في حالة تلف وإهمال، فإن ذلك يثير تساؤلات حول مدى التزام الجهات المعنية بهذا المبدأ. إن إرسال هذه المراسلة المفتوحة عبر وسائل الإعلام يمثل خطوة نحو تفعيل آليات الشفافية، ويشجع على النقاش العام حول كيفية إدارة الموارد العمومية. كما أنه يرسل رسالة واضحة إلى المواطنين بأن هناك من يراقب ويدافع عن حقوقهم في الحصول على خدمات فعالة وإدارة رشيدة للموارد.
إن قضية سيارات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية المتلفة في آسفي ليست مجرد قضية محلية، بل هي انعكاس لمشكلات قد تكون موجودة في أماكن أخرى، وإن كانت بدرجات متفاوتة. إنها تسلط الضوء على الحاجة الماسة إلى تعزيز آليات الرقابة والمتابعة، سواء على المستوى المؤسساتي أو على المستوى المجتمعي. كما أنها تؤكد على ضرورة وضع برامج واضحة لصيانة وتجديد الأسطول العمومي، وتحديد آليات فعالة للتصرف في المركبات التي لا يعود لها فائدة.
في الختام، فإن مراسلة المرصد المغربي لحماية وتخليق المرفق العام بآسفي لوزير الداخلية وعامل إقليم آسفي حول مصير سيارات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية المتلفة، تمثل مبادرة تستحق الثناء. إنها تعكس وعياً عميقاً بأهمية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وإدراكاً لخطورة سوء تدبير مواردها. إن هذه القضية، التي تتجلى في تراكم سيارات بإحدى المحاجز بحي شنقيط شمال آسفي هي دعوة ملحة للسلطات المعنية للتحرك السريع والفعال. يتوجب على هذه السلطات أن تأخذ هذا الموضوع على محمل الجد، وأن تجري تحقيقاً شفافاً، وأن تتخذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم تكرار مثل هذه الممارسات، وللحفاظ على أموال دافعي الضرائب، ولضمان تحقيق الأهداف النبيلة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تظل شعلة أمل للكثير من المواطنين. إن المساءلة والشفافية هما أساس بناء الثقة بين المواطن والدولة، وهما مفتاح تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة.


