المواطن 24… الاقتصاد.
بقلم الاستاذ اسليماني مولاي عبدالله
في خضم التحولات الاقتصادية والمؤسساتية التي يشهدها المغرب، تتقاطع عدة إشكاليات جوهرية تؤثر بشكل مباشر على مناخ الأعمال، وفي مقدمتها الكلفة القانونية للاستثمار، وضعف الأمن العقاري في بعض الحالات، وصعوبة الولوج إلى التمويل، إضافة إلى ضرورة تعزيز فعالية منظومة الرقابة المالية من خلال التكامل بين المجلس الأعلى للحسابات والسلطة التشريعية. هذه العناصر، رغم اختلاف طبيعتها، تشكل في الواقع منظومة مترابطة، لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة دون معالجتها بشكل شمولي ومندمج.
إن الكلفة القانونية للاستثمار لم تعد تقتصر على الرسوم والضرائب، بل أصبحت تشمل تعقيد المساطر، وطول آجال التقاضي، وتعدد المتدخلين، وغياب اليقين القانوني في بعض المجالات. ووفقًا للنظرية الاقتصادية الحديثة، خاصة مقاربة تكاليف المعاملات، فإن هذه العوامل ترفع من تكلفة الاستثمار وتضعف جاذبية السوق، حيث يبحث المستثمر قبل كل شيء عن وضوح القواعد واستقرارها وسرعة تنفيذها.
وفي هذا السياق، يبرز الأمن العقاري كعنصر حاسم في تقليص الكلفة القانونية وتعزيز الثقة. فالعقار المحفظ، الواضح الوضعية القانونية، يشكل ضمانة أساسية للمستثمر، سواء في تأمين حقوقه أو في تمكينه من الولوج إلى التمويل. وعلى العكس من ذلك، فإن العقار غير المحفظ أو محل نزاع يرفع من مستوى المخاطر، ويُضعف القدرة على تعبئة الموارد المالية، وهو ما ينعكس سلبًا على دينامية الاستثمار. وقد أظهرت التجربة المغربية، في ظل القانون 14.07 المتعلق بالتحفيظ العقاري، أن تعميم التحفيظ يمثل مدخلاً أساسياً لتحقيق الأمن القانوني والاقتصادي.
وبموازاة ذلك، تشكل برامج التمويل أحد الأعمدة الأساسية لدعم الاستثمار، حيث لا يمكن لأي مشروع أن يتحقق دون موارد مالية كافية. وقد عمل المغرب على تطوير مجموعة من الآليات، من بينها برامج دعم المقاولات، وصناديق الضمان، ومبادرات التمويل البنكي، إضافة إلى التوجه نحو التمويل التشاركي ودعم المشاريع الناشئة. غير أن فعالية هذه البرامج تظل رهينة بتوفر الضمانات، خاصة العقارية منها، مما يعزز مرة أخرى أهمية الأمن العقاري في المنظومة الاستثمارية.
ومن زاوية اجتماعية، فإن تعقيد المساطر القانونية وضعف الولوج إلى التمويل يؤديان إلى إقصاء فئات واسعة من المستثمرين الصغار، ويحدان من قدرتهم على الاندماج في الدورة الاقتصادية، مما يطرح تحديات حقيقية على مستوى العدالة الاقتصادية والتنمية المجالية. وهنا تتقاطع المدرسة الاجتماعية مع المدرسة الاقتصادية في الدعوة إلى تبسيط الإجراءات وتوسيع قاعدة المستفيدين من الفرص الاستثمارية.
وفي موازاة هذه الإشكاليات المرتبطة بالاستثمار، تبرز أهمية منظومة الرقابة المالية كآلية لضمان حسن تدبير المال العام وتعزيز الشفافية. وفي هذا الإطار، يشكل التكامل بين المجلس الأعلى للحسابات والسلطة التشريعية ركيزة أساسية لضمان فعالية الرقابة. فالمجلس، باعتباره هيئة دستورية مستقلة، يضطلع بدور تقني في مراقبة المالية العمومية وإعداد التقارير، بينما يقوم البرلمان بدور سياسي ورقابي في استثمار هذه التقارير لمساءلة الحكومة وتقييم السياسات العمومية.
ومن منظور نظرية الوكالة، فإن هذا التكامل يساهم في تقليص فجوة المعلومات بين المواطن والدولة، ويحد من المخاطر المرتبطة بسوء التدبير أو الانحراف في استعمال الموارد العمومية. كما أن المدرسة القانونية المؤسساتية تؤكد أن فعالية الرقابة لا تتحقق فقط بوجود المؤسسات، بل بمدى تفاعلها وتكامل أدوارها، وهو ما يجعل من العلاقة بين المجلس الأعلى للحسابات والبرلمان علاقة استراتيجية وليست فقط وظيفية.
ورغم الجهود المبذولة، لا تزال هناك تحديات تتعلق بضعف تفعيل بعض التوصيات، وغياب آليات ملزمة لمتابعة تنفيذها، إضافة إلى الحاجة إلى تبسيط التقارير وتعزيز القدرات التحليلية داخل المؤسسة التشريعية. غير أن الإرادة الإصلاحية التي أبان عنها المغرب، من خلال رقمنة المساطر، وتعزيز دور المراكز الجهوية للاستثمار، وتوسيع اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات، تعكس توجهًا واضحًا نحو بناء منظومة متكاملة وفعالة.
إن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في تحقيق الالتقائية بين مختلف مكونات هذه المنظومة، من خلال تقليص الكلفة القانونية، وتعزيز الأمن العقاري، وتطوير برامج التمويل، وتفعيل الرقابة المؤسساتية، بما يضمن تحقيق التوازن بين جاذبية الاستثمار وحماية المال العام.
وإن بناء نموذج تنموي فعال بالمغرب يمر حتمًا عبر تكامل هذه العناصر، حيث لا يمكن الحديث عن استثمار قوي دون أمن قانوني وعقاري، ولا عن تمويل فعال دون ضمانات واضحة، ولا عن تدبير عمومي ناجع دون رقابة مؤسساتية فعالة. إنها معادلة دقيقة، لكنها تمثل في نفس الوقت فرصة حقيقية لتعزيز موقع المغرب كوجهة استثمارية موثوقة وقادرة على تحقيق تنمية مستدامة وشاملة.



