المواطن24
في خطوة وصفت بـ”الصادمة” وغير المتوقعة، تقدّم بروفيسور ياسين الحفياني، مدير المستشفى الإقليمي الزموري بالقنيطرة، باستقالته من منصبه بعد أقل من عام من توليه المسؤولية. هذا القرار المفاجئ لم يثر فقط تساؤلات حول أسبابه، بل فتح أيضاً النقاش مجدداً حول مصير الإصلاحيين في مواجهة التعقيدات البيروقراطية ومقاومة التغيير داخل القطاع الصحي.
وأوضحت مصادر مطلعة أن الاستقالة جاءت كنتيجة حتمية لتراكم مجموعة من الملفات الشائكة التي ظلت عالقة، ورفض المدير السابق لما وصفها بـ”الحلول الترقيعية”. فبعد تجربة استمرت 11 شهراً، وجد الحفياني نفسه أمام خيارين: إما الاستمرار في ظل غياب آليات فعالة لمعالجة الاختلالات الكبرى، أو اتخاذ موقف احتجاجي واضح يضع وزارة الصحة والوكالة الوطنية للتجهيزات العامة أمام مسؤولياتها. لقد كان إصراره على المطالبة بإصلاحات جذرية وشفافة لتأهيل المؤسسة الصحية هو جوهر الخلاف الذي قاد إلى هذا الرحيل المبكر.
وخلال فترة ولايته القصيرة، شهد المستشفى سلسلة من الإنجازات غير المسبوقة التي أشاد بها المهنيون والمرتفقون على حد سواء، مما جعل استقالته أكثر إثارة للدهشة. من أبرز هذه التحولات، إدخال خدمة “الرنين المغناطيسي” لأول مرة في منطقة الغرب، واستقطاب 10 أساتذة جامعيين للعمل داخل المستشفى في سابقة هي الأولى من نوعها لمؤسسة غير جامعية. كما تم إجراء عمليات جراحية دقيقة كانت حكراً على المستشفيات الجامعية الكبرى، إلى جانب رقمنة الوثائق الإدارية وافتتاح مصالح استشفائية جديدة. وعلى المستوى الإداري، اتخذ الحفياني إجراءات صارمة لمحاربة ظاهرة السماسرة والوسطاء، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع المواطنين، في خطوة عززت الشفافية وكافحت الرشوة بشكل فعلي.
هذا الرحيل المفاجئ فتح باب التساؤلات على مصراعيه في الأوساط المحلية والصحافية: هل كان ثمن محاربة الف.ساد ومقاومة الفاسدين هو تقديم استقالة مدير طموح؟ ومن يحمي المصلحين الذين يواجهون مقاومة شرسة من داخل المنظومة نفسها؟ وأي دور تلعبه منصات التواصل الاجتماعي في دعم أو عرقلة مثل هذه المحاولات الجادة للتغيير؟
في خضم هذه الأجواء، خرجت فعاليات مدنية وحقوقية للتعبير عن تضامنها مع البروفيسور الحفياني، معتبرة أن ما حدث ليس مجرد استقالة فردية، بل هو إنذار حقيقي يعكس عمق الأزمة التي تعاني منها المنظومة الصحية بأكملها. وطالبت هذه الفعاليات بفتح تحقيق شفاف وشامل، لا للبحث في حيثيات الاستقالة فقط، بل لمحاسبة كل من ثبت تورطه في عرقلة مسار الإصلاح أو استغلال المرفق العام لتحقيق مصالح ضيقة.
غادر الحفياني المستشفى، لكن الرسالة التي تركها خلفه تبدو واضحة وصارخة: في وطن يحارب فيه من يرفض الرشوة ويسعى للإصلاح، فإن المعركة لم تعد معركة شخص واحد، بل هي مرآة تعكس تحديات منظومة بأكملها تحتاج إلى إرادة حقيقية للتغيير.


