المواطن24

في محفل دولي تلو الآخر، تتحول التجربة المغربية في مجال النهوض بأوضاع النساء إلى نموذج يُحتذى به. فبين قاعات الأمم المتحدة في جنيف ونيويورك، وصولاً إلى الاجتماعات الإقليمية في بيروت، يثبت المغرب أن مقاربته القائمة على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة قادرة على تحقيق قفزات نوعية في مجال حقوق الإنسان
. هذا الأسبوع، تتجه الأنظار مجدداً نحو الرباط، حيث تترجم الإصلاحات القانونية الكبرى، لا سيما تلك المتعلقة بمدونة الأسرة ومنظومة الحماية الاجتماعية، التزام الدولة ببناء مجتمع أكثر إنصافاً، في خطوات تحظى بمتابعة وثناء المنظمات الحقوقية الدولية.
ففي العاصمة اللبنانية بيروت، وخلال اجتماع رفيع المستوى للأمم المتحدة، استعرضت وزارة العدل المغربية تجربة المملكة في مجال إصلاح مدونة الأسرة، والتي وصفتها اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) بأنها “مرجعية رائدة في المنطقة العربية”. ولم يكن الإشعار
مجرد مجاملة بروتوكولية، بل جاء تتويجاً لخطوة جريئة وغير مسبوقة تمثلت في الاعتراف بالعمل المنزلي غير المؤدى كمساهمة اقتصادية ضمن مشروع الإصلاح. هذا التوجه، الذي يستند إلى مبدأ “الكد والسعاية” في الفقه المالكي، يمثل حسب ما صرحت به المسؤولة بالوزارة “محطة تاريخية لإنصاف النساء” ووضع المغرب في طليعة الدول التي تضع العدالة الاجتماعية في صلب أولوياتها القانونية .

هذا التوجه القانوني المتقدم يأتي تتويجاً لمسار طويل من الإصلاحات التي بدأت مع دستور 2011، الذي كرس مبدأ المناصفة وجعل من الاتفاقيات الدولية سارية فوق القانون الداخلي. وخلال الدورة الثامنة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، أشادت المندوبية المغربية بالدينامية التي تعرفها جميع جهات المملكة، مستعرضة أهداف النموذج التنموي الذي يضع المرأة في صلب أولوياته، ويسعى إلى رفع معدل تشغيل النساء إلى 45% في أفق 2035. كما تم تسليط الضوء على البرنامج الوطني المندمج لتمكين النساء اقتصادياً، وهو مشروع طموح يهدف إلى دعم ريادة الأعمال النسائية وتقوية دور المرأة القروية في عجلة الإنتاج الوطني .
ولم يقتصر النقاش الدولي على الجوانب القانونية فقط، بل امتد إلى البعد الاجتماعي والرعاية الأولية. ففي نيويؤورك، وعلى هامش الدورة التاسعة والستين للجنة وضع المرأة (CSW69)، ترأست نعيمة ابن يحيى، وزيرة التضامن، اجتماعاً رفيعاً خصص لتسليط الضوء على التجربة المغربية في التمكين الاقتصادي. هناك، أثنى ممثلو منظمة العمل الدولية وصندوق الأمم المتحدة للسكان على “التقدم الكبير” الذي أحرزه المغرب في مجال تعزيز الخطاب حول العمل اللائق وحماية الفئات الهشة. وأكدت الوزيرة أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي أطلقه الملك محمد السادس، ساهم بشكل مباشر في تمكين النساء اقتصادياً، خاصة من خلال برامج الدعم التي تستهدف المقاولات الذاتية والتعاونيات النسائية .
على صعيد آخر، تعكس الشراكات الدولية الثقة في النموذج المغربي. ففي الرباط، تم التوقيع على اتفاقيتين مع الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة إجمالية تناهز 150 مليون أورو، لدعم برنامج تعميم التغطية الصحية الإجبارية وخطة المساواة 2023-2022026. وهذه الاتفاقيات، التي تندرج في إطار دعم ورش تعميم الحماية الاجتماعية، تهدف بشكل خاص إلى تعزيز المساواة بين الجنسين ودمج مقاربة النوع في الميزانية، مما سيمكن من دعم تدابير الاقتصاد والرعاية ويحفز ولوج النساء لسوق الشغل في ظروف أكثر إنصافاً .
ومع ذلك، فإن هذا الزخم من الإشادات الدولية لا يحجب التحديات الكبيرة التي تظل قائمة، والتي كانت محور نقاشات معمقة أمام لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة (سيداو). فرغم الإشادة بقوانين المغرب، إلا أن الخبراء الدوليين شددوا على ضرورة مضاعفة الجهود لمحاصرة الصور النمطية التي تكرس الأدوار التقليدية للنساء، ومعالجة الفجوة في المجالات القروية حيث لا تزال وفيات الأمهات والأمية مرتفعتين.

وقد التزم المغرب أمام المجتمع الدولي بمواصلة العمل، مؤكداً أن توصيات الخبراء تشكل دعامة أساسية لتحسين سياساته العمومية وضمان شمولية التنمية .
إن هذه الإشادات الدولية المتتالية لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة سياسة عمومية متكاملة تجمع بين الإرادة الملكية والاستقرار المؤسساتي والانفتاح على الخبرات الدولية. ويبقى الرهان الأكبر هو ترجمة هذه النصوص القانونية المتطورة والإشادات الدولية إلى واقع ملموس في حياة النساء المغربيات، عبر تعزيز ولوجهن لسوق العمل ومحاربة كافة أشكال التمييز، ليكتمل بذلك نموذج تنموي يضع المواطنة الفعلية في صميم أولوياته


