بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
تُعد مؤسسة الوقف في المغرب إحدى أعرق المؤسسات القانونية والاقتصادية التي أسهمت عبر التاريخ في تمويل الخدمات الدينية والاجتماعية والتعليمية، حيث شكلت الأوقاف ركيزة أساسية في تحقيق التضامن الاجتماعي وضمان استدامة الموارد الموجهة للمصلحة العامة. ومن بين الآليات القانونية التي اعتمدها المشرع المغربي لضمان حسن تدبير هذه الأملاك، مبدأ “الغبطة”، الذي يمثل حجر الزاوية في كل تصرف يطال المال الوقفي، سواء تعلق الأمر بالكراء أو التفويت أو الاستثمار.
فالغبطة، في المفهوم القانوني الوقفي، تعني تحقيق أفضل مصلحة ممكنة للوقف، أي أن يتم استغلال الملك الحبسي بطريقة تضمن أعلى منفعة مالية أو اقتصادية دون الإضرار بطبيعته أو مقاصده. ويُعد هذا المفهوم امتدادًا للفقه الإسلامي الذي اعتبر أن الوقف مال مخصص لمنفعة عامة أو خيرية، وأن متولي الوقف أو ناظره لا يملك سلطة التصرف فيه إلا بما يحقق مصلحة الوقف ويحافظ على أصله. ولهذا السبب، يظل مبدأ الغبطة معيارًا أساسيًا في كل عملية كراء للأملاك الحبسية.
في الإطار القانوني المغربي، نظم المشرع هذه المسألة ضمن مدونة الأوقاف الصادرة بالظهير الشريف رقم 1.09.236، والتي أكدت أن تدبير أملاك الأوقاف يخضع لرقابة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية باعتبارها السلطة الوصية على المال الوقفي. ومن بين أهم مقتضيات هذه المدونة أن أي كراء لملك حبسي، خاصة المحلات التجارية والدكاكين، يتم غالبًا عبر مسطرة السمسرة العمومية، وهي آلية تهدف إلى ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص بين المتنافسين، وتحقيق أفضل عرض مالي لفائدة الوقف.
غير أن نتيجة السمسرة، حتى وإن أسفرت عن فائز بالمزاد، لا تعتبر نهائية بشكل مطلق، إذ تبقى خاضعة لمراقبة الإدارة المختصة للتأكد من تحقق شرط الغبطة. فوزارة الأوقاف، من خلال نظارات الأوقاف أو مصالحها المركزية، تحتفظ بحق مراجعة نتيجة السمسرة للتأكد من أن الثمن المقترح يتناسب مع القيمة الحقيقية للملك الوقفي ومع المعايير الاقتصادية السائدة في السوق. فإذا تبين أن العرض المالي لا يحقق المصلحة الفضلى للوقف، يمكن للإدارة رفض المصادقة على العملية وإعادة السمسرة من جديد أو تعديل شروطها.
هذا الدور الرقابي يعكس فلسفة قانونية واضحة، تقوم على حماية المال الوقفي من أي استغلال غير متوازن أو تفويت بثمن يقل عن قيمته الحقيقية. فالأوقاف ليست ملكًا خاصًا يمكن التصرف فيه بحرية مطلقة، بل هي مال مخصص للنفع العام، يخضع لضوابط صارمة تضمن استمراريته عبر الزمن. ومن هنا تأتي أهمية الغبطة كآلية توازن بين مبدأ المنافسة الاقتصادية وضرورة صيانة المال الوقفي.
ومن الناحية الاقتصادية، ينسجم هذا المبدأ مع النظريات الحديثة في تدبير الأصول العامة، والتي تؤكد أن المؤسسات التي تدير أموالاً موجهة للصالح العام يجب أن تعتمد آليات رقابة إضافية لضمان تحقيق أقصى قيمة ممكنة من تلك الأصول. فالوقف، باعتباره مؤسسة اقتصادية اجتماعية، يحتاج إلى إدارة رشيدة تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والالتزام بالقيم القانونية والشرعية.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن تحقيق الغبطة لا يقتصر على زيادة المداخيل المالية للأوقاف، بل يتجاوز ذلك إلى ضمان استدامة الموارد التي تمول العديد من الخدمات ذات الطابع الديني والاجتماعي. فمداخيل الأوقاف تسهم في صيانة المساجد، ودعم التعليم العتيق، وتمويل أنشطة اجتماعية متعددة، وهو ما يجعل حسن تدبيرها مسألة ذات بعد تنموي ومجتمعي.
إن مسطرة السمسرة في كراء الأملاك الحبسية، مقرونة بشرط الغبطة، تعكس نموذجًا متوازنًا في الحكامة المالية، يجمع بين آليات السوق المفتوحة والرقابة المؤسسية. فالمنافسة تضمن الوصول إلى أفضل العروض، بينما تضمن الرقابة الإدارية حماية المال الوقفي من أي اختلال قد يضر بمصالحه.
وفي ظل التحولات الاقتصادية التي يعرفها المغرب، يبرز دور وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية كفاعل أساسي في تحديث تدبير الأوقاف وتثمينها اقتصاديًا، مع الحفاظ على طابعها الشرعي والاجتماعي. فتعزيز الشفافية في مساطر الكراء والاستثمار، وتفعيل مبدأ الغبطة، يشكلان معًا ركيزة أساسية لضمان استدامة هذه المؤسسة التاريخية التي ظلت عبر القرون أحد أهم أدوات التضامن والتنمية في المجتمع المغربي.


