جريدة المواطن 24 المراسل الصحفي خليل لغنيمي
تعيش منظومة المحروقات في المغرب مرحلة دقيقة تتسم بكثير من التعقيد والقلق، في ظل اعتماد شبه كامل على الخارج لتأمين حاجيات البلاد من الطاقة. فالمغرب يستورد ما يقارب 90 في المائة من احتياجاته الطاقية، بل إن الوضع أصبح أكثر حساسية منذ توقف التكرير المحلي سنة 2016، بعد تعطل نشاط شركة شركة سامير، وهو ما جعل البلاد تنتقل من استيراد النفط الخام إلى استيراد الكازوال والبنزين المصفى مباشرة من الأسواق الدولية.
هذا التحول الاستراتيجي وضع المغرب أمام واقع جديد: التبعية الكاملة لتقلبات السوق العالمية، من أسعار النفط إلى تكاليف النقل والشحن، وصولًا إلى التوترات الجيوسياسية التي قد تعصف بالإمدادات في أي لحظة.
لكن السؤال الأكثر إثارة للقلق لا يتعلق فقط بالاستيراد، بل بمدى قدرة البلاد على مواجهة الأزمات الطاقية. فالقانون المنظم لقطاع المحروقات يفرض على الفاعلين في هذا المجال توفير مخزون استراتيجي لا يقل عن 60 يومًا من الاستهلاك الوطني، كشبكة أمان تضمن استمرار التزويد في حال حدوث اضطرابات في السوق العالمية. غير أن المعطيات التي كشفها تقرير صادر عن مجلس المنافسة تشير إلى أن المخزون المتوفر حاليًا يتراوح ما بين 24 و30 يومًا فقط، أي أقل بكثير من الحد الأدنى المنصوص عليه قانونًا.
هذا المعطى يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة:
أين هي آليات المراقبة؟ ومن يتحمل مسؤولية عدم احترام هذا الالتزام القانوني؟ وهل يمكن لاقتصاد يعتمد على الاستيراد أن يغامر بمخزون يقل عن شهر واحد في عالم تتزايد فيه الأزمات؟
القلق يتضاعف اليوم مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، خصوصًا مع اندلاع المواجهة بين إيران وإسرائيل، وهي منطقة تعد شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية. فكل اضطراب في طرق الإمداد أو في أسواق النفط قد ينعكس بسرعة على الدول المستوردة، ومنها المغرب.
وفي خضم هذه المعطيات، يواجه المواطن المغربي هاجسًا آخر لا يقل خطورة: الأسعار. فمجرد زيادة بدرهمين في الكازوال أو البنزين كفيلة بإشعال موجة غلاء واسعة، لأن المحروقات تمثل العمود الفقري للاقتصاد. النقل يرتفع، والفلاحة تتأثر، وسلسلة التوزيع ترتفع معها أسعار المواد الغذائية، لتصل في النهاية إلى جيب المواطن الذي يعاني أصلًا من ضغط المعيشة.
المفارقة أن العالم عاش تجربة قاسية خلال تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، التي قلبت موازين سوق الطاقة وأظهرت مدى هشاشة الدول التي تعتمد كليًا على الاستيراد. وكان من المنتظر أن تدفع تلك الأزمة إلى مراجعة السياسات الطاقية وتعزيز المخزون الاستراتيجي، لكن الواقع الحالي يطرح تساؤلًا كبيرًا حول مدى الاستفادة من دروس تلك المرحلة.
إن أمن الطاقة لم يعد مجرد ملف اقتصادي، بل أصبح قضية سيادية تمس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. فتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتفعيل المراقبة الصارمة على شركات التوزيع، وإعادة التفكير في قدرات التكرير الوطنية، كلها خطوات ضرورية لضمان حد أدنى من الاستقلالية الطاقية.
وفي انتظار ذلك، يبقى المواطن المغربي الحلقة الأضعف في معادلة المحروقات: يتحمل تقلبات الأسعار، ويواجه آثارها في كل تفاصيل حياته اليومية، بينما يظل السؤال معلقًا… من يحمي القدرة الشرائية للمغاربة عندما ترتفع حرارة سوق الطاقة؟


