بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في كل مرة يُطرح فيها سؤال تمويل المقاولات الصغيرة جدًا في المغرب، يتجه التفكير سريعًا إلى فرضية واحدة تكاد تتحول إلى مسلّمة، وهي أن البنوك لا تموّل بما يكفي، أو أن السيولة غير متاحة بالقدر الضروري لتحريك الاستثمار الصغير. غير أن التطورات الأخيرة في خطاب بنك المغرب، كما عكستها مداولات مجلسه بتاريخ 17 مارس 2026، تفرض قراءة أكثر عمقًا وواقعية: المشكلة لم تعد تُختزل فقط في حجم الأموال المتاحة، بل في قدرة المشاريع نفسها على أن تكون قابلة للتمويل البنكي، أي أن تكون واضحة، مهيكلة، قابلة للتقييم، وقادرة على إقناع المؤسسة المقرضة بجدواها وانتظامها ومصداقيتها. وقد أبقى بنك المغرب، في اجتماعه الأخير، على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.25%، في إشارة إلى استمرار توجه نقدي محسوب داخل بيئة يصفها البنك المركزي بأنها تتسم باستقرار نسبي على مستوى التضخم والتوازنات المالية.
هذا التحول في التشخيص ليس تفصيلًا تقنيًا، بل يمثل انتقالًا مهمًا في فهم أحد أعقد أعطاب الاقتصاد الوطني. فإذا كان الائتمان الموجه إلى المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة لا يزال أقل من الإمكانات النظرية المتاحة، فإن السبب، وفق هذا المنظور، لا يكمن فقط في تشدد البنوك أو محدودية العرض المالي، بل في ضعف “القابلية البنكية” لعدد كبير من الملفات. والمقصود هنا ليس غياب النية أو ضعف الحافز لدى أصحاب المشاريع، بل وجود اختلالات متكررة في البنية المحاسبية والإدارية والوثائقية للمقاولة الصغيرة جدًا، مثل غياب محاسبة دقيقة، أو ضعف تتبع التدفقات المالية، أو محدودية التصريح المنظم بالمعاملات، أو الافتقار إلى نموذج اقتصادي واضح ومقنع. وهنا تصبح العلاقة بين البنك وصاحب المشروع علاقة يشوبها نقص المعلومات، لا علاقة رفض مبدئي للتمويل.
في هذا السياق، يكتسب توجه بنك المغرب نحو اعتماد أداة scoring خاصة بالمقاولات الصغيرة جدًا أهمية استراتيجية كبيرة. فهذه الأداة، التي أعلن البنك المركزي أنه يعمل على استكمالها بتنسيق مع مكاتب المعلومات الائتمانية، تهدف إلى تطوير أسلوب تقييم المخاطر بالنسبة لهذه الفئة من المقاولات، من خلال اعتماد مؤشرات وبيانات أكثر ملاءمة لطبيعتها، بما يسمح بتقليص آجال دراسة الملفات، وتحسين تقدير الجدارة الائتمانية لمقاولات لا تتوفر دائمًا على قوائم مالية قوية أو تاريخ بنكي طويل. هذا التوجه يعكس وعيًا مؤسساتيًا بأن المعايير التقليدية للائتمان لا تكفي وحدها للتعامل مع نسيج اقتصادي يغلب عليه الطابع الصغير جدًا، وأن العدالة التمويلية لا تعني التخفيف غير المسؤول من شروط المنح، بل تطوير أدوات أكثر ذكاءً وإنصافًا لفهم المخاطر الحقيقية. وقد أكد بنك المغرب في نشرته الرسمية الخاصة باجتماع المجلس بتاريخ 17 مارس 2026 تثبيت سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25% ومواصلة تتبع الأوضاع النقدية والمالية في إطار من اليقظة والاستقرار.
ومن منظور اقتصادي، يمكن قراءة هذا التوجه في ضوء نظرية عدم تماثل المعلومات، التي تفيد بأن السوق الائتمانية لا تتعطل فقط بسبب نقص الأموال، بل أيضًا بسبب عجز المقرض عن التمييز بدقة بين المشروع الجيد والمشروع عالي المخاطر. فعندما تكون المعلومات ناقصة أو مضطربة، ترتفع كلفة التقدير، ويصبح الحذر البنكي أكثر تشددًا، وقد يحدث ما يسمى بترشيد الائتمان حتى في ظل وجود سيولة. ومن هنا تبدو أداة التنقيط أو التصنيف الائتماني الموجه للمقاولات الصغيرة جدًا محاولة عملية لتقليص هذا الخلل، عبر بناء صورة أقرب إلى الواقع الاقتصادي للمقاولة، بدل الاقتصار على المؤشرات الكلاسيكية الجامدة. لكن نجاح هذه الأداة سيظل مشروطًا بمدى ملاءمتها للسياق المغربي، وبقدرتها على استيعاب خصوصيات المشاريع الناشئة، والأنشطة غير المهيكلة جزئيًا، والمقاولات ذات الإمكانات المحدودة ولكن ذات الجدوى الفعلية.
أما من الزاوية الاجتماعية، فإن المسألة تتجاوز مجرد ملف بنكي أو آلية تمويل. فالمقاولات الصغيرة جدًا ليست هامشًا في الاقتصاد المغربي، بل تشكل قلبه اليومي الحي، سواء في المدن أو القرى أو الفضاءات شبه الحضرية. إنها الوعاء الأكثر التصاقًا بالتشغيل الذاتي، وبخلق الدخل الأسري، وبإعادة توزيع الفرص داخل المجال الترابي. ولذلك فإن أي تقدم في تمويلها لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مكسبًا لقطاع اقتصادي ضيق، بل خطوة في اتجاه توسيع الإدماج المالي والاجتماعي والإنتاجي. وعندما يتم تسهيل التمويل على أساس تقييم أدق وأكثر عدالة، فإن الأثر لا ينعكس فقط على رقم المعاملات، بل على الاستقرار الأسري، ومحاربة الهشاشة، وتحويل المبادرات الصغيرة من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد النمو.
ومن الزاوية القانونية والمؤسساتية، يبرز أن المغرب يتجه نحو بناء منظومة أكثر تكاملًا في مواكبة هذه الفئة من المقاولات. فإلى جانب دور بنك المغرب في التأطير النقدي والاحترازي، يستمر دور مؤسسة تمويلكم في تخفيف المخاطر عبر آليات الضمان العمومي. وتؤكد الوثائق الرسمية المنشورة من المؤسسة أن تدخلات الضمان تعد عنصرًا محوريًا في تقاسم المخاطر مع البنوك وتعزيز تمويل المقاولات، بما ينسجم مع السياسة العمومية الرامية إلى تقوية الولوج إلى التمويل لفئات المقاولات الأقل قدرة على تقديم الضمانات التقليدية. ويكتسي هذا التوجه أهمية أكبر حين يقترن بالمواكبة غير المالية، لأن التمويل وحده، مهما كان متاحًا، لا يكفي إذا لم يسبقه أو يواكبه تأهيل في الحكامة، والمحاسبة، وإعداد الملفات، وصياغة التصورات الاستثمارية بشكل مهني.
وهنا يبرز بوضوح الدور الإيجابي للدولة المغربية ومؤسساتها في إعادة ترتيب هذا الملف الحيوي بعقلانية ومسؤولية. فالمسار الذي يتم بناؤه اليوم لا يقوم على ضخ الأموال بشكل عشوائي، ولا على تحميل البنوك وحدها مسؤولية التعثر، بل على خلق بيئة تمويلية أكثر توازنًا، تقوم على الاستقرار الماكرو-اقتصادي، وتطوير أدوات تقييم حديثة، وتعبئة آليات الضمان، وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين. وهذه المقاربة تعكس نضجًا مؤسساتيًا مهمًا، لأنها تعترف بأن التحدي الحقيقي ليس فقط “كم سنقرض؟” بل أيضًا “كيف نجعل المشروع مستحقًا وجاهزًا ومرئيًا أمام مؤسسة التمويل؟”. وفي هذا المعنى، فإن الدولة المغربية لا تكتفي بحماية التوازنات الكبرى، بل تسعى أيضًا إلى تقريب آليات التمويل من الواقع الفعلي للمقاولة الصغيرة جدًا، بما يخدم الاستثمار والتشغيل والاستقرار الاجتماعي في آن واحد.
ومع ذلك، فإن الموضوع يقتضي قدرًا من الواقعية النقدية. فأداة scoring، رغم أهميتها، ليست عصًا سحرية. فهي قد تسرّع القرار وتحسن جودة التقييم، لكنها لا يمكن أن تعوّض غياب المحاسبة المنتظمة، ولا ضعف الثقافة المالية، ولا هشاشة البنية الإدارية للمقاولة الصغيرة. بل إن الخطر الحقيقي قد يظهر إذا تحولت الأداة التقنية إلى بديل عن الفهم الميداني، أو إذا أُسقطت معايير جامدة على واقع شديد التنوع. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يظل مركبًا: جزء منه تقني، وجزء منه مؤسساتي، وجزء منه تربوي وتكويني. فكل سياسة للتمويل لا تُبنى فقط داخل البنك، بل تبدأ أيضًا من تكوين حامل المشروع، ومن تشجيع التصريح والشفافية، ومن تعميم الأدوات الرقمية، ومن نشر ثقافة التدبير المنظم.
إن ما يجري اليوم في المغرب في هذا الملف يبعث على التفاؤل الحذر. فالمؤشرات الرسمية الصادرة عن بنك المغرب تؤكد أن الإطار النقدي لا يعاني من اختلال يدفع إلى الانكماش، كما أن الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25% يعكس رغبة في المحافظة على توازن دقيق بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار. وفي المقابل، فإن تطوير آليات الضمان والمواكبة يبين أن المملكة تتحرك وفق رؤية متعددة الأبعاد، لا تختزل تمويل المقاولات الصغيرة جدًا في مجرد قرار بنكي منفصل، بل تضعه داخل منظومة إصلاح أشمل.
إن الرهان الحقيقي في تمويل المقاولات الصغيرة جدًا بالمغرب لم يعد هو إثبات وجود المال، بل إثبات قدرة المشروع على أن يتحول إلى مخاطب اقتصادي مفهوم وموثوق وقابل للتقييم. وهذه النقلة في التشخيص مهمة جدًا، لأنها تنقل النقاش من منطق الشكوى العامة إلى منطق البناء المؤسساتي الفعلي. وإذا نجح المغرب في جعل أداة التنقيط الائتماني مدخلًا لتوسيع الإنصاف التمويلي، مع مواصلة دعم الضمان العمومي والتأهيل الإداري والمالي للمقاولات، فإنه سيكون قد خطا خطوة كبيرة نحو تحرير جزء مهم من الطاقة الاقتصادية الوطنية الكامنة. وهنا بالذات يظهر المعنى العميق للسياسات العمومية الرشيدة: ليس فقط في توفير الموارد، بل في بناء الثقة بين الفكرة ورأس المال، بين المبادرة والتمويل، وبين المقاولة الصغيرة والدولة التي تريد لها أن تنمو وتستمر وتنتج.



