جمهور الإفراغ
بقلم:
عبد الصمد خشيع
عرفت مدينة خريبكةعلى غرار بعض المدن يوم امس حزنا أناخ كل ارجائها ، لا لكارثة طبيعة ولا نتيجة قوة قاهرة حلت بها ، ولكن بسبب طوفان بشري اسمه جمهور رياضي يُنتسب الى نادي الرجاء البيضاوي ،وبتعبير الصحافة (الرجاء العالمي ) عمد إلى تخريب كل ما صادفه من مؤسسات او سيارات أو منازل او أشخاص ، مع إضرام النار في بعض حاويات الازبال ،وبحكم أن هذا السلوك الأهوج يحتاج إلى تبرير في علم الاجتماع ، وبحث دوافعه في علم النفس ،واستكناه اسبابه في المجال الثقافي ، كان لابد لنا ان نستجلي البواعث الحقيقة لهذه الظاهرة الاجرامية الغريبة ،المتسمة بالسادية والانتقام والخراب من عدة زوايا.
يكاد يتفق كل المغاربة ان جماهير الرجاء العالمي ،لقيت تعاطفا كبيرا، مع كل الكادحين والمهمشين والبؤساء ، عندما تسلحت بجراحات الكلمة، وشعارات نابعة من رحم الشعب ومعاناته، لكن للاسف لم يعكس هذا الوعي الجماهيري المواطنة الحقيقية، القائمة على التسامح والفرجة والروح الاخلاقية، إلى أن بات الشغب هو اصل اصيل غداة انتهاء كل مباراة ؟ ماذا وقع للجماهير ؟ وماذا وقع لجمهور الرجاء الذي استضافته مدينة الفوسفاط والنضال على أرضها بكل ترحاب لمواجهة سريع وادي زم ؟ هل من المفروض ان تؤدي المدينة ضريبة هزيمة الرجاء ؟ وهل من المنطق أن نخرب مرافق وممتلكات مخصصة للمنفعة العامة ،تعبيرا عن استياء معين ؟
الغضب الذي تم إفراغه من طرف الجماهير ، لايُعزى فقط لاسباب هزيمة ميدانية عابرة ، ولا لانتصار طفولي يتبدد ويُنسى في المقابلة الموالية ، الغضب وتصريفه محكومان بأمور أخرى ،من جملتها اندحار الخطاب الفني وقتل الذوق الجمالي من طرف القائمين على الشأن الثقافي ، والسبب هو أن الحقل الفني عندما كان يحتضن المجموعات الغنائية الرائدة بكلماتها ،التي تختزل معاناة الطبقة المسحوقة اجتماعيا، وأوجاع الشعب السياسية محليا واقليميا ،في سنوات الجمر والرصاص والمعتقلات السرية ، كان يشكل متنفسا لأوجاع معينة تلامس الوضع الاجتماعي وتعبر عن مفارقاته وآلامه في سمفونية جميلة ولمسة ابداعية اجمل ، ولعل أبرزها مجموعات ‘-لمشاهب -ناس-الغيوان -جيل جيلالة ) فمن الطبيعي ان تكون مدرجات الملاعب بديلا عنها في البوح بالكلمة ذات حمولة معبرة عن مآسي الامة ، والتي صاحبهتا احقاد العنف والكراهية إلى أن أصبحت كل جماهير كرة القدم بمثابة إفراغ حقيقي لهذا التناقض الاجتماعي ،،والذي بلغ حد التخريب والانتقام ٠

العنف ما بعد المباراة ظاهرة نفسية ومرضية ، لم يستطع المشرع المغربي ان يقضي عليه كظاهرة إجرامية عصية على التغلب ،رغم النصوص الزجرية التي تعاقب عليها بعقوبات سالبة للحرية ، وتبين أن المقاربة العقابية كجزء من السياسة الجنائية ،لاتجدي نفعا ، لانها تُحول الجناة إلى ضحايا ،بحكم أن أغلب الفاعلين هم أحداث ،أي لا يتوفرون على سن الرشد الجنائي لتوقيع عقاب رادع لهم بمفهوم الردع العام ، بل يفرض القانون مقاربة أخرى على هاته الفئة من الجانحين والجناة ، وهي إحدى المفارقات/الاشكال ،التي حالت دون الحد من الشغب في الملاعب
الارتباك والكيل بسخاء لفائدة فريق ضد فريق اخر من طرف الجامعة ، او مهندسوا برامج المباراة ،يعتبر أحد الاسباب التي تغضب النوادي ومعها الجماهير ، لانها تُجبر الفِرق على اللعب في وقت متواصل وقاتل و ضيق قد ينهك الاعبين ويشارك في هزائم محققة ، ولهذا وجب إعادة سياسة البرمجة بشكل عادل وموضوعي و نزيه، لا يستشعر من خلاله الفرق من أن بعضها ينتمي للمغرب النافع، و بعضها للمغرب غير النافع. ينبغي للجامعة في اطار تنزيل مقاراباتها للحد من العنف والشغب ،ان تُحرم كل النوادي الذين لا يملكون سيطرتهم على الجماهير الهوجاء ، من مصاحبة فرقهم في مباراة الذهاب ،حتى يتسنى التغلب على العنف ،كآلية فعالة ذات بُعد تربوي ٠
مدينة خريبكة لما تتميز به من كرم الضيافة على جميع المستويات ،لا تستحق من أي جمهور ،ان يتخدها قلعة للإفراغ مهما كانت الدوافع، بحكم أن رصيدها الرياضي يستحق الإحترام على عدة واجهات يا جماهير الإفراغ .




