المواطن24
بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في المجتمع المغربي، يطرح موضوع حماية حقوق البنات في الملكية والسكن والاستقرار المادي بعد وفاة الوالدين نقاشاً واسعاً، خصوصاً في الحالات التي يكون فيها الأب أو الأم قد رزقا ببنات فقط دون أبناء ذكور. وفي هذه الحالة يبرز في كثير من الأحيان مفهوم **التعصيب** ضمن قواعد الإرث الشرعي، وهو ما قد يؤدي عملياً إلى دخول ورثة آخرين من العائلة في تقسيم التركة، مثل الإخوة أو أبناء العم، الأمر الذي يثير مخاوف بعض الآباء حول مستقبل ممتلكاتهم ورغبتهم في ضمان استقرار بناتهم بعد وفاتهم.
غير أن المنظومة القانونية المغربية، التي تجمع بين **قواعد الشريعة الإسلامية كما تنظمها مدونة الأسرة** وبين القواعد المدنية المنظمة للملكية والعقود، توفر مجموعة من الآليات القانونية المشروعة التي تمكن الشخص من تنظيم ماله أثناء حياته بما يضمن الاستقرار العائلي ويحافظ على حقوق الأبناء، شريطة احترام الضوابط القانونية والتوثيق السليم. فالقانون لا يمنع الإنسان من التصرف في أمواله في حياته، بل يتيح له ذلك في إطار عقود واضحة وموثقة، وهو ما يجعل التخطيط المسبق وسيلة فعالة لتجنب النزاعات المستقبلية المرتبطة بالإرث.
ومن بين أهم الوسائل القانونية المعتمدة في هذا المجال **عقد الهبة مع الاحتفاظ بحق الانتفاع**. فالهبة في القانون المغربي تعد من العقود التبرعية التي تمكن الشخص من نقل ملكية عقار أو مال إلى الغير دون مقابل، ويتم توثيقها عادة لدى الموثق أو العدول وتسجيلها بالمحافظة العقارية إذا تعلق الأمر بعقار محفظ. ويمكن للواهب أن يشترط في العقد احتفاظه بحق الانتفاع مدى حياته، وهو ما يعني أن الملكية تنتقل قانونياً إلى البنات، بينما يبقى للأب الحق في السكن أو الاستغلال أو الكراء طوال حياته. وتعتبر هذه الصيغة من أكثر الحلول القانونية أماناً لأنها تحقق التوازن بين ضمان مستقبل الأبناء والحفاظ على استقرار الأب نفسه.
كما يمكن اللجوء إلى **الصدقة** باعتبارها تصرفاً تبرعياً أيضاً، وهي في الفقه الإسلامي والقانون المغربي من العقود التي تنقل الملكية بشكل نهائي لا رجعة فيه، بخلاف الهبة التي قد يسمح القانون في حالات محدودة بالرجوع فيها. ولهذا يلجأ بعض الأشخاص إلى الصدقة عندما يرغبون في نقل الملكية بشكل قطعي دون إمكانية الرجوع عنها، شريطة أن يتم ذلك في إطار توثيق قانوني سليم يحفظ الحقوق ويمنع أي نزاع لاحق.
في المقابل، يلجأ بعض الناس إلى ما يسمى **البيع الصوري** كطريقة لنقل الملكية إلى الأبناء، أي تحرير عقد بيع شكلي دون أداء ثمن حقيقي. غير أن هذه الطريقة تظل محفوفة بالمخاطر القانونية، لأن القضاء يمكنه إبطال العقد إذا ثبت أن البيع لم يكن حقيقياً وأنه يخفي في الواقع هبة غير موثقة. ففي هذه الحالة قد يتم الطعن في العقد من طرف الورثة الآخرين بعد وفاة المالك، خاصة إذا لم توجد أدلة مالية واضحة تثبت أداء الثمن الحقيقي، مثل التحويلات البنكية أو الوثائق المحاسبية. ولذلك فإن الاعتماد على عقود واضحة وصريحة مثل الهبة أو الصدقة يظل أكثر أماناً من الناحية القانونية.
أما **الوصية** فهي آلية أخرى ينظمها القانون، لكنها تخضع لقيود شرعية وقانونية مهمة. فمدونة الأسرة المغربية تنص في المادة 280 على قاعدة معروفة في الفقه الإسلامي وهي أن الوصية لا تكون لوارث إلا إذا أجازها باقي الورثة. وهذا يعني أن الشخص إذا أوصى بجزء من ماله لأحد ورثته، فإن تنفيذ هذه الوصية يبقى مشروطاً بموافقة بقية الورثة بعد الوفاة. ولهذا فإن الاعتماد على الوصية وحدها لضمان نقل ملكية عقار للبنات قد لا يكون حلاً مضموناً في جميع الحالات.
ومن الوسائل الحديثة التي يلجأ إليها بعض الأشخاص أيضاً **عقود التأمين على الحياة**، حيث يمكن للمؤمن تحديد المستفيدين من مبلغ التأمين عند الوفاة. وتتميز هذه الآلية بكون التعويض المالي الناتج عن عقد التأمين غالباً ما يؤدي مباشرة للمستفيدين المحددين في العقد، وفق الشروط المتفق عليها مع شركة التأمين، مما يجعلها أداة مالية إضافية يمكن أن تساهم في توفير حماية مالية للأسرة خارج إطار تقسيم التركة التقليدي.

إن جوهر المسألة في نهاية المطاف لا يتعلق فقط بالاختيار بين هذه الوسائل المختلفة، بل يرتبط أساساً **بحسن التخطيط القانوني والتوثيق السليم**. فكل تصرف في الملكية ينبغي أن يتم وفق الإجراءات القانونية المعتمدة، سواء لدى الموثق أو العدول، مع تسجيل العقود في المحافظة العقارية عندما يتعلق الأمر بعقار محفظ. فالتوثيق الرسمي لا يحفظ الحقوق فقط، بل يمنح للعقد قوة قانونية تجعله محصناً إلى حد كبير ضد الطعون والنزاعات المستقبلية.
ومن منظور قانوني واقتصادي أوسع، فإن تنظيم الملكية داخل الأسرة بشكل واضح ومسبق يساهم في الحد من النزاعات القضائية المرتبطة بالإرث، ويعزز الاستقرار الاجتماعي والأسري. فالكثير من النزاعات التي تصل إلى المحاكم لا تكون بسبب القوانين نفسها، بل بسبب غياب التخطيط القانوني المسبق أو سوء فهم المقتضيات المنظمة للإرث والتصرف في الملكية. ولهذا فإن الوعي القانوني والتوجيه المهني من طرف المختصين يشكلان عنصراً أساسياً في حماية الحقوق وضمان استقرار العلاقات الأسرية.
إن القانون المغربي، في توازنه بين المرجعية الشرعية ومتطلبات التنظيم القانوني الحديث، يوفر أدوات متعددة لتنظيم الملكية وضمان حقوق الأبناء. ويبقى القرار في النهاية بيد صاحب المال، الذي يمكنه أثناء حياته أن يتخذ الإجراءات القانونية المناسبة لضمان مستقبل أسرته، شريطة أن يتم ذلك في إطار احترام القواعد القانونية والتوثيق الصحيح، بما يحقق العدالة العائلية والاستقرار الاجتماعي.



