#برنامج “النجم الشعبي” بمنظار علم النفس
متابعة :المواطن24 المراسل الاعلامي عبد الله الأنصاري
قراءة نقدية للدكتور المزابي الأستاذ الباحث في علم النفس بجميع أنواعه #محمد باني @mohamed pani 


“أثناء متابعتي للحلقة الأولى من برنامج “النجم الشعبي”، للموسم الثاني على القناة الثانية 2M. استوقفني، التحول النوعي في لغة لجنة التحكيم المتكونة من نجوم الفن الشعبي “حجيب ، عبد العزيز الستاتي ، نجاة اعتابو و زينة الداودية. حيث لم يعد التقييم يقتصر على الانطباع العام، أو ما نسميه بالطرب و الإطراب. بل أصبح يستند إلى مفاهيم دقيقة مثل الكورال، la gamme (السلم الموسيقي)، الحبال الصوتية وقوة الصوت. فهذا التحول، يعكس انتقالا من مقاربات تقليدية تعتمد الذوق العام و الانطباع العفوي، إلى مقاربة علمية، تستند إلى تحليل مكونات الأداء الغنائي. وهو ما يمكن اعتباره، انتقالا من اللانموذج و اللانسقية أو ما نسميه بالفوضوية، إلى “البراديغم” :أي من غياب نموذج منهجي واضح إلى اعتماد إطار تحليلي منظم يوجه عملية النقد والتقييم.
ومن منظور علم النفس، وانطلاقا من أية ظاهرة، ومنها الظاهرة الغنائية المثمثلة في العيطة -على سبيل المثال لا الحصر- لا يمكن فهمها وتحليلها إلا ضمن إطار مرجعي”براديغم” يحدد أدوات الفهم و معايير الحكم ، فالصوت في العيطة لم يعد مجرد وسيلة للإمتاع فحسب ، بل أصبح موضوعا للتحليل من حيث طبقاته، مداه، انسجامه وقدرته على التأثير و مسايرة الإيقاع.
إننا اليوم أمام وعي جديد في تلقي الفن الشعبي. وعي يتجاوز التذوق إلى الفهم. ويتحول فيه المستمع من متلقٍّ سلبي إلى ناقد واعٍ، وهو ما من شأنه أن يساهم في الإرتقاء بالذوق الفني العام. ولعل هذا التحول يطرح سؤالا جوهريا: هل نحن بصدد ميلاد مرحلة جديدة في النقد الفني الشعبي قوامها العلمية والمنهج بدل الاحتكام إلى صورة الجسد والمفاتن و البنيات و التموجات الجسدية؟
لكن ما أثار حفيظتي هو تعليق نجاة عتابو على أحد المتبارين الذي كان قد اختار نموذج “الهيت”، حيث نصحته بنبرة أقرب إلى الإحباط، على أن يختار لونا آخر غير لون الهيت. فهذا التوجيه قد يبدو تقنيا في ظاهره. لكنه من زاوية نفسية وتربوية و ثقافية وفنية أيضا ، يطرح أكثر من سؤال حول وظيفة لجنة التحكيم هل هي فقط تقويم وتقييم الأداء، أم أيضا دعم الجرأة الفنية و تشجيع الاختيارات الجريئة؟
إن الهيت رغم صعوبته التقنية، فهو من الألوان القادرة على إحداث طرب عميق و مباشر، لأنه يقوم على النداء الصوتي المكثف، وعلى شحنات انفعالية عالية، كما في الصيد (الصيادة يصيدو و الهياتة يهيتو) كما هو الشأن في مواسم صيد الخنزير le sanglier وبالتالي فإن اختيار المتباري للون الهيت، هو اعتراف بشق غنائي يغني ويثري خزانة و أرشيف الفن المغربي. و عربون اعتراف برواد فن الهيت الأصيل: فريد لقنيطري، ومجموعة لفقيه بن صالح الذين أبدعوا في( آ لعطار آ لعطيطير) في بداية التسعينيات، بالإضافة إلى جميع المجموعات التي تُعنى بهذا الفن، فن الهيت. وبالتالي، فإن اختيار المتباري لهذا اللون ليس من باب الاعتباط، بل قد يكون مؤشرا على وعي فني ورغبة في التميز. ناهينا عن ربط الحاضر بالماضي والتوق إليه بنظرة تأمل-فنية- كما يقال باللغة الفرنسية:
Voir loin, c’est voir mieux.
وقد سبق أن قلت في إحدى المناسبات: إن الهيت، هو أصل العيطة أو العيط الذي هو في اللسان المصري النواح والبكاء، وفي اللسان المغربي هو النداء والنده كما في إحدى أغنيات فيروز”نده لي حبيبي” و أيضا في الدارجة المغربية نقول: “نده على فلان” وتعني أسرع لمناداته. و في اللسان العربي الخالص و الفصيح، فالهيت هو الدعوة والأمر بفعل الشيء ( هِيتَ لك، هَيْتُ لك، هِئْتُ لك).
وكتوصية أخيرة ومن منظور علم النفس. فإن أي خطاب إحباطي وإن كان غير مقصود، قد يحد من المبادرة ويعزز التردد، خاصة في سياق تنافسي إذ يحتاج فيه المتباري إلى الثقة والدعم. وفي تقديري كان من الأجدر، أن يتم تأطير الملاحظة بشكل بناء: أي الاعتراف بجرأة الاختيار، ثم توجيه المتباري تقنيا للعمل على تحسين أدائه داخل هذا اللون. بدل الدعوة الضمنية أو الصريحة إلى تجنبه و بذلك تجنب اللجنة نفسها أيضا السقوط في أحبولة الإقصاء لأي نوع من الفن، و تفادي الوقوع في الذاتية والنمطية والتمركز حول لون غنائي معين”.


