المواطن24 المراسل الاعلامي عبد الله الأنصار
#رمضان فرصة للقراءة

#نجدد اللقاء بكم متابعينا و متابعاتنا داخل و خارج أرض الوطن و ندعوكم إلى هذه الجلسة العلمية التي نتمنى أن تروقكم و تنمي معلوماتكم، و يتجدد اللقاء بأخينا و أستاذنا الدكتور محمد باني المختص في علم النفس بجميع أنواعه و أشكاله لنحاوره في موضوع يتعلق بالتوحد بصفته موضوع العصر والأسر و العائلات و المجتمعات.
ج: شكرا استاذ عبد الأنصاري على هذه الدعوة وهي الدعوة الرمضانية الثالثة ضمن مشروعك حول فرصة القراءة في رمضان. وشكرا على اختيارك لموضوع اضطراب طيف التوحد، والذي غالبا ما يجري على الألسن بتسميته بالتوحد وهذا خطأ مفاهيمي لتقاطعه مع لمفهوم الوحدة أو الوحدانية والذي يقابله بالفرنسية la solitude
بينما اضطراب طيف التوحد هو اضطراب نمائي كما سنفصل فيه لاحقا.
#س:قبل التفصيل ، لاشك أن هذا المرض أصبح له يوم عالمي يخلد له ؟
#ج: أجل ، إنه الثاني من أبريل ، وهو اليوم العالمي للتوعية والتحسيس باضطراب طيف التوحد الذي أقرته الأمم المتحدة في العام 2007. وفي هذا اليوم تضاء معالم عالمية باللون الأزرق، فهل أضاء كل مجتمع وعيه فعلا. و 2 أبريل ليس مجرد تاريخ على التقويم. إنه تاريخ نسأل فيه أنفسنا: هل نريد أن نغير الطفل، أم نريد أن نغير نظرتنا إليه؟
#س: يبدو أن اضطراب طيف التوحد له حمل كبير و شامل ليس على الأسرة فقط؟
#ج: طالما اخترت هذا الموضوع كقيمة مضافة لجريدتكم الموقرة، لمتتبعيها من القراء الأفاضل والقارئات الفاضلات، فإن اضطراب طيف التوحد صار يثير الشيء الكثير في اهتمامات المختصين النفسانيين بكل تخصصاتهم، كالتحليل النفسي وعلم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي وعلم النفس الفيسيولوجي وسيكولوجيا الإعاقة، وكذلك الآباء والأمهات والمدرسين والمربين والمربيات بالمدارس والروضات وكل من يهتم بتربية و تعليم الصحة النفس-بدنية والنفس-نمائية للأطفال.
#س:و ما هو التوحد؟ وهل له وطن أو تاريخ أو سن معينة؟
#ج: كثيرا من نسمع أن هذا الطفل أو الطفلة مصاب بالتوحد، هذا خطأ في الوصف
النزوغرافيا la nosographie فهو أولا وقبل كل شيء اضطراب. لذا يتحتم تسميته باضطراب طيف التوحد. وهو اضطراب نمائي عصبي. وطنه كل العالم. يظهر في السنوات الثلاث الأولى من العمر. ويعود تاريخ اكتشافه و وصفه علميا لأول مرة في العام 1943 على يد الطبيب النفسي Leo Kanner الذي نشر دراسته حول 11 طفلا يعانون من اضطراب التواصل العاطفي. وبعده وفي سنة 1944 وصف الطبيب النفساني Hans Asperger حالات مشابهة لدى أطفال لهم كفايات معرفية عادية أو مرتفعة لكن كان لهم أيضا اضطراب في الاتصال العاطفي.
#س: ولكن ربما هناك تاريخ سابق تناول هذا التوصيف أو الوصف؟
#ج: نعم، فهو كذلك، ففي العام 1911 استخدم الطبيب النفسي السويسري Eugène Bleuler مصطلح التوحد Autisme لكن في سياق حديثه عن الفصام Schizophrénie، قبل أن يوصف لاحقا كاضطراب نمائي عصبي.
#س: ما أعراض اضطراب طيف التوحد؟ ولماذا وصف بطيف التوحد؟
#ج: هذا سؤال مهم، و هنا مربط الفرس. أولا سمي بطيف لكون الحالات ليست متطابقة، فهناك تفاوتات في القدرة اللغوية والمعرفية والاجتماعية. أي أن بعض المعانين يلزمهم دعم مكثف، وآخرون يتمتعون بقدر عال من الكفايات العالية أو بعض المواهب ،و حسب الدليل التشخيصي DSM5 الصادر عن APA الجمعية الأمريكية للصحة النفسية، هناك أعراض و علامات تخص التواصل والتفاعل الاجتماعي: ضعف التواصل البصري ولا نعني به ضعف البصر. و اضطراب اللغة، ثم صعوبة فهم الإشارات الاجتماعية. وهناك أعراض تتعلق ببعض السلوكيات كالحركات التكرارية مثل رفرفة اليدين والتمسك بروتين صارم كالشذوه أو إبقاء النظر على آلة أثناء دورانها كالمروحة أو آلة الغسيل. وكذلك الانشغال المفرط بموضوع محدد. وفي مجمل الملاحظة هو أن المُعاني لا يتواصل لا بالإيماءات ولا الإشارات ولا بالألفاظ ولا بالحركة. كأن نضع يدنا على كتفه فهو لا يلتفت ولا يكترث.
#س: من منظور علم النفس التحليلي كيف يمكن فهم وتفسير بعض سلوكيات طفل اضطراب طيف التوحد؟

#ج: بما أن السؤال عميق، لا بد أن أشير إلى أن التحليل النفسي الذي أسسه سيجموند فرويد و الذي يعتبر الأب الروحي للتحليل النفسي، فهو يدعونا إلى البحث عن المعنى الذي يكون خلف السلوك. فأي ردة فعل أو انفعال أو تصرف أو سلوك فخلفه معنى ودافع نفسي مطمور ومخفي. وهنا يكمن فهم الحركات التكرارية و النمطية و الانسحاب الاجتماعي للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. ويمكن فهمها كآليات دفاعية أو مبادرات ومحاولات لتنظيم القلق الداخلي. ودعني أسمي هذا القلق بالمكبوتات داخل اللاوعي لدى المعانين.
#س: هل من توضيح أكثر لهذه النقطة النفسية؟
#ج: نعم ، فكل من يهتم بحياة الأطفال من آباء و معلمين ومربين، كلهم يعون ويدركون أن الأطفال شغوفون بالعالم و بمحيطهم، وهم لا يرفضونه ويقبلون عليه ولو بمخاطره. وهذه الفئة المصابة باضطراب طيف التوحد هي بدورها لا ترفض هذا العالم لكنها تعجز عن تنظيم فيضها الحسي و الانفعالي.
#س: و كيف تتبلور نظرة المجتمع إلى اضطراب طيف التوحد؟
#ج: نظرة المجتمع إلى اضطراب طيف التوحد حسب سيرج موسكوفيتشي، كلها تتكون من التمثلات الاجتماعية، أي تلك الصور الذهنية التي يبنيها المجتمع حول ظاهرة معينة: الأسرة، الإعلام، المدرسة، الخطاب الديني، و التجارب الشخصية، كلها تسهم في بناء وصياغة هذه التمثلات. والمشكلة إذا تحولت هذه الصور الذهنية إلى وصم أو إقصاء.
#س: كيف ذلك؟
#ج: كأن نقول أن اضطراب طيف التوحد هو انتقام إلهي. أو أن نقول بأن أحد الوالدين ارتكب خطيئة ما. أما فيما يخص الإقصاء فخطورته تتجلى في تهميش هذه الفئة من الحياة الاجتماعية، كعدم دمجهم في التعليم، أو إحداث مراكز لا تتوفر على أبسط الحياة العادية. أو تظل الأسرة متسترة عنهم ولا تمنح لهم فرصة للخروج من البيت خشية الوصم الاجتماعي من طبيعة الحال.
#س: من خلال هذا الجواب يبدو أن الآباء يشعرون بالصدمة ثم يتمسكون بالإنكار عند التشخيص..!؟
#ج: لأن التشخيص الموجه لاضطراب طيف التوحد يصطدم بصورة الطفل المثالي المتخيل في ذهن الأسرة. وهنا تشتغل آليات وميكانيزمات دفاع نفسية مثل الإنكار أو الإسقاط، وفي هذه الحالة يكون الدعم النفسي للأسرة ضروريا لمساعدتها على الانتقال من مرحلة الصدمة إلى مرحلة التقبل والتكيف الإيجابي مع الموضوع.
#س: و ما دور المدرسة في هذا السياق؟
#ج: سؤال عميق جدا، باعتبار أن المدرسة مؤسسة مهمة في لعب دور التنشئة الاجتماعية بطرق و وسائل علمية ومنهجية مضبوطة. باعتبارها مناخا تعليميا-تعلميا و تربويا ومجالا دامجا. وهنا يتضح بجلاء أن المدرسة ليست مجالا تعليميا فقط، بل فضاء اجتماعيا لإعادة تشكيل التمثلات حين يتوفر التكوين العلمي للأساتذة و يتعزز التزامهم و سلوكهم المهني. وبالتالي يتحول الإدماج من شعار إلى ممارسة فعلية. و الإدماج الناجح يغير نظرة الأطفال أيضا و ينتج لديهم تمثلات أكثر إنسانية و أكثر عدلا وإنصافا.
#س: هل اضطراب طيف التوحد قابل للعلاج؟
#ج: أمر العلاج لازال يلفه شيء من الغموض والإحجام عن الخوض فيه. خاصة وأن الأسرة تلح على الإفصاح في هذا الشأن باعتبارها المعاني المباشر من هذا الاضطراب بعد الطفل المصاب. و كما عرفنا اضطراب طيف التوحد بأنه اضطراب نمائي عصبي، وأنه ليس مرضا عابرا يشفى منه. بل حالة نمائية تستمر مدى الحياة. لكن بفعل التدخل المبكر، وتقنيات تعديل السلوك و تقويم النطق والدعم النفسي، كلها تحسن جودة الحياة و تساعد على الاستقلالية في تدبير وقضاء الحاجات البيولوجية و بعض المآرب بشكل ملحوظ. كما هو الشأن في تقديم هذه الإمكانات السلوكية و المتابعات العلاجية في بعض المراكز الموكول لها رعاية وتعليم ومتابعة المعانين حسب الحالات والمتطلبات كما أنها تقدم الخدمات حسب المتطلب.
#س: أشكرك لأنك أسهبت و وفيت و كفيت أستاذي الفاضل و لنا لقاء قادم في موضوع جديد بحول الله، هل من إضافة ؟
#ج: إضافتي ليست رسالة في حد ذاتها، وإنما واحدة من التوصيات؛ إذ يجب أن ننقل النقاش من السؤال: ما المشكلة في الطفل ذي اضطراب طيف التوحد؟ إلى السؤال: كيف يمكن تكييف البيئة الاجتماعية بكل مؤسساتها لتحضن هذا الطفل؟ والتحدي الحقيقي ليس الأطفال المعانين، وإنما في تمثلاتنا نحن. وشكرا لك الأخ والصديق عبد الله الأنصاري وشكرا لجريدتكم المواطن 24 على درج هكذا مواضيع ضمن أولوياتها و وفق ما يناسب ويصب في أجندات المهتمين والمتابعين و المتفاعلين.

و أنتم ، يا من قرأتم هذا الحوار ، أملنا أن تكونوا قد استفذتم و نسألكم الدعاء لنا و لضيفنا ، مع تحيات إدارة #المواطن24 هذا المراسل الاعلامي عبد الله الأنصاري يودعكم على امل اللقاء


