المواطن 24… الاقتصاد
المشتقات المالية
بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
يشهد النظام المالي الدولي توسعاً كبيراً في استخدام ما يعرف بالمشتقات المالية، وهي أدوات تعاقدية حديثة ارتبط انتشارها بتطور الأسواق المنظمة والبورصات العالمية، وبحاجة المؤسسات المالية إلى إدارة المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسعار. غير أن هذا التطور التقني في الهندسة المالية أثار إشكالات قانونية واقتصادية وشرعية عميقة، خاصة في المنظومات التي تؤسس المعاملات المالية على قواعد الملكية الحقيقية، وانتفاء الغرر، وتحريم الربا، وضبط التداول وفق مبدأ التقابض.
وقد تضاعفت أهمية هذا الموضوع بعد الأزمة المالية العالمية لسنة 2008، التي أظهرت خطورة التوسع غير المنضبط في بعض المشتقات المرتبطة بالرهون العقارية والأدوات المركبة، مما أعاد طرح سؤال المشروعية والضبط القانوني والشرعي لهذه الأدوات.
المشتقات المالية، في تعريفها القانوني والاقتصادي، هي عقود تستمد قيمتها من أصل آخر يسمى “الأصل الأساسي”، كالسهم أو السند أو السلعة أو العملة أو سعر الفائدة أو مؤشر مالي. فالعقد ذاته لا يمثل مالاً عينياً قائماً بذاته، وإنما يرتبط بقيمة أصل خارجي يتغير سعره بمرور الزمن. ومن الناحية العملية، فإن طرفين يتفقان اليوم على تسوية مالية مستقبلية مرتبطة بسعر أصل معين، وقد تنتهي العلاقة دون تسليم فعلي لذلك الأصل، عبر الاكتفاء بتسوية فروق الأسعار.
تتنوع هذه العقود إلى صيغ معروفة في الأسواق المالية، من أبرزها العقود الآجلة والعقود المستقبلية وعقود الخيارات وعقود المبادلات.
ففي العقود الآجلة، يتم الاتفاق حالاً على بيع أو شراء أصل معين بثمن محدد على أن يتم تنفيذ الالتزامات في تاريخ لاحق، وهو ما يعني تأجيل البدلين معاً في كثير من الحالات. أما العقود المستقبلية فهي صورة منمطة من العقود الآجلة تُتداول في أسواق منظمة وفق معايير موحدة، مع وجود غرفة مقاصة تتولى ضمان التنفيذ. وفي عقود الخيارات يمنح أحد الطرفين للآخر حقاً في شراء أو بيع أصل معين خلال مدة محددة مقابل دفع علاوة مالية، بحيث يكون العقد ملزماً لطرف دون الآخر. أما عقود المبادلات فتقوم على تبادل تدفقات مالية مستقبلية، كالمبادلة بين سعر فائدة ثابت وآخر متغير، أو تبادل عملات لفترة زمنية محددة.
وقد بلغ الحجم الاسمي للمشتقات المتداولة في الأسواق العالمية أرقاماً ضخمة؛ فوفقاً لبيانات بنك التسويات الدولية (BIS)، بلغ الحجم الاسمي الإجمالي للعقود المشتقة خارج البورصة مئات التريليونات من الدولارات في السنوات الأخيرة، وهو رقم يفوق بكثير الناتج الداخلي الإجمالي العالمي، وإن كانت القيمة السوقية الصافية أقل من ذلك بكثير. وتُظهر هذه المعطيات أن هذه الأدوات تمثل جزءاً محورياً من النظام المالي المعاصر، سواء في مجال التحوط أو المضاربة أو إدارة المراكز المالية الكبرى.
غير أن التحليل الفقهي لهذه العقود ينطلق من أصول مستقرة في الشريعة الإسلامية، أهمها اشتراط الملك والقبض، وتحريم بيع الدين بالدين، ومنع الغرر الفاحش، وتحريم الربا بنوعيه، والنهي عن بيع ما ليس عند الإنسان. وقد استندت المجامع الفقهية المعاصرة، ومن بينها مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، إلى هذه الأصول في قراراتها المتعلقة بالمشتقات المالية، حيث قررت عدم جواز العقود المستقبلية والاختيارات والمبادلات بصورها الشائعة في الأسواق الدولية، لما تتضمنه من تأجيل البدلين أو بيع حقوق مجردة أو ارتباطها بالفائدة الربوية أو انعدام القبض الشرعي.
ففي كثير من العقود المستقبلية يتم الاتفاق اليوم على بيع أصل لا يكون مملوكاً للبائع وقت التعاقد، كما يؤجل الثمن إلى تاريخ التنفيذ، مما يدخل في نطاق ما عرفه الفقهاء ببيع الكالئ بالكالئ، أي بيع الدين بالدين، وهو ممنوع عند جمهور أهل العلم. كما أن تسوية هذه العقود غالباً ما تتم عبر المقاصة النقدية دون تسليم فعلي للأصل محل التعاقد، وهو ما يثير إشكال القبض الشرعي، خاصة في البيوع التي تشترط التقابض الفوري كالصرف.
أما عقود الخيارات، فإن محل العقد فيها هو “حق مجرد” في الشراء أو البيع خلال مدة معينة مقابل علاوة مالية. وقد ذهب جمهور الفقهاء المعاصرين إلى أن هذا الحق، إذا انفصل عن العين أو المنفعة، لا يعد مالاً متقوماً يجوز بيعه استقلالاً، مما يجعل بيع الخيار مقابل علاوة محلاً للمنع الشرعي. ويزداد الإشكال عندما تكون الغاية من العقد مجرد المراهنة على فروق الأسعار دون قصد حيازة الأصل أو الانتفاع به.
وفيما يتعلق بعقود المبادلات القائمة على أسعار الفائدة، فإن ارتباطها المباشر بالفائدة الربوية يجعلها غير جائزة شرعاً، لقيامها على تبادل التزامات مبنية على الربا الصريح، وهو محرم بنصوص قطعية. أما مبادلات العملات، فإنها تخضع لأحكام الصرف التي تشترط التقابض في المجلس عند اتحاد العلة، وأي تأجيل في القبض يوقع العقد في ربا النسيئة.
ولا يقتصر الإشكال على الجانب الفقهي فحسب، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي الكلي. فقد كشفت الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 عن هشاشة بعض الأدوات المشتقة المرتبطة بالرهون العقارية عالية المخاطر، وأظهرت تقارير رسمية صادرة عن هيئات رقابية أمريكية ودولية أن غياب الشفافية والتعقيد المفرط في المنتجات المركبة ساهم في تضخيم المخاطر النظامية. وقد أدى ذلك إلى تدخلات تشريعية واسعة، من بينها إصلاحات تنظيمية في الولايات المتحدة وأوروبا لفرض مزيد من الرقابة والإفصاح على أسواق المشتقات.
وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن الإشكال الجوهري في المشتقات المالية بصورتها السائدة لا يتعلق بمجرد التطور التقني، وإنما بطبيعة محل العقد وأثره الاقتصادي والاجتماعي. فإذا كان العقد ينفصل عن الاقتصاد الحقيقي، ويقوم على تبادل التزامات احتمالية دون ملك حقيقي أو قبض معتبر، ويؤدي إلى نقل مخاطر مجردة على نحو أقرب إلى المراهنة منه إلى الاستثمار المنتج، فإنه يصطدم بقواعد الشريعة ومقاصدها في حفظ المال ومنع الظلم والغرر.
غير أن هذا الحكم لا يمنع من البحث العلمي الجاد في تطوير صيغ بديلة لإدارة المخاطر في إطار منضبط شرعاً، كالعقود القائمة على السلم والاستصناع والمشاركة والتحوط المشروع المرتبط بأصول حقيقية مملوكة، مع تحقق القبض والشفافية وانتفاء الربا. فالمطلوب ليس الانغلاق أمام الأدوات المالية الحديثة، وإنما إخضاعها لميزان قانوني وشرعي يحقق العدالة والاستقرار ويحفظ الثقة في المعاملات.
إن المشتقات المالية، كما تُمارس في معظم الأسواق العالمية اليوم، تثير إشكالات جدية من زاوية الفقه الإسلامي والقانون المالي، لما تتضمنه من تأجيل للبدلين أو بيع لحقوق مجردة أو ارتباط بالفائدة أو انعدام للقبض الحقيقي.
وقد جاءت قرارات المجامع الفقهية الكبرى منسجمة مع هذه القراءة التحليلية، انطلاقاً من أصول ثابتة وقواعد راسخة، وحرصاً على صيانة المعاملات المالية من الانحراف نحو الغرر والمقامرة والاضطراب الاقتصادي.



