ياسين بورحيل
يعد قطيع الماشية بالمغرب أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد القروي، ومصدراً رئيسياً لعيش آلاف الأسر المنتشرة عبر مختلف جهات المملكة. فمن السهول الأطلسية إلى المرتفعات والواحات، ترتبط حياة عدد كبير من الأسر بتربية الأغنام والأبقار والماعز، سواء لتوفير اللحوم والحليب أو لتأمين دخل موسمي يساعد على مواجهة أعباء الحياة اليومية. غير أن هذا القطاع الحيوي يواجه في السنوات الأخيرة تحديات متزايدة أثرت بشكل مباشر على استقراره واستمراريته.
أولى هذه الإكراهات تتمثل في توالي سنوات الجفاف وقلة التساقطات المطرية، ما أدى إلى تراجع المساحات الرعوية ونقص الكلأ الطبيعي الذي كان يشكل المورد الأساسي لغذاء القطيع. هذا الوضع اضطر العديد من المربين إلى اللجوء إلى الأعلاف المركبة والشعير، غير أن أسعار هذه المواد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، مما ضاعف من تكاليف الإنتاج. ومع ارتفاع أسعار المحروقات والنقل، أصبحت كلفة تربية الرأس الواحد من الماشية تثقل كاهل الكسابة، خاصة صغار المربين الذين يعتمدون على إمكانيات محدودة.
إلى جانب العوامل المناخية والاقتصادية، تبرز الإكراهات الصحية كعامل إضافي يهدد القطيع، حيث تظهر بين الفينة والأخرى أمراض موسمية تتطلب تدخلاً بيطرياً سريعاً وتوفير اللقاحات في الوقت المناسب. ورغم الجهود التي تبذلها المصالح المختصة، فإن بعض المناطق القروية البعيدة لا تزال تعاني من ضعف التأطير البيطري وقلة الإمكانيات، ما يجعل القطيع عرضة للمخاطر الصحية التي قد تتسبب في خسائر جسيمة للمربين.
كما ساهمت هذه الظروف مجتمعة في تسجيل تراجع ملحوظ في أعداد القطيع الوطني خلال السنوات الأخيرة، وهو ما انعكس بدوره على وفرة اللحوم الحمراء في الأسواق وعلى مستوى الأسعار التي أثقلت كاهل المستهلك المغربي. وفي ظل هذا الوضع، يجد المربي نفسه بين مطرقة ارتفاع التكاليف وسندان تقلبات السوق، حيث لا تتناسب أحياناً أسعار البيع مع حجم المصاريف المبذولة في التربية والتغذية والرعاية.
ورغم إطلاق برامج دعم ظرفية لتخفيف آثار الجفاف وتوفير الأعلاف المدعمة، فإن العديد من المهنيين يرون أن القطاع بحاجة إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تقوم على تنمية زراعة الأعلاف محلياً، وتحسين السلالات لرفع المردودية، وتطوير تقنيات السقي وترشيد استعمال الموارد المائية، إضافة إلى تنظيم مسالك التسويق للحد من تدخل الوسطاء وضمان هامش ربح عادل للمربين.
يبقى قطيع الماشية بالمغرب أكثر من مجرد نشاط اقتصادي؛ إنه نمط عيش وثقافة متجذرة في المجتمع القروي. غير أن الحفاظ عليه في ظل التحولات المناخية والاقتصادية الراهنة يتطلب تضافر الجهود بين الدولة والمهنيين، حتى يظل هذا القطاع قادراً على أداء دوره في تحقيق الأمن الغذائي ودعم الاستقرار الاجتماعي في العالم القروي.



