فكري ولدعلي
قبل أن تشرق أولى خيوط الفجر، تتحرك أزقة مارتيل بهدوء مميز، تنتظر نبضا خفيا يعلن قرب الشحور. الإيقاع يخرج من طبل صغير يحمله شاب بخطوات واثقة، ينتقل من زقاق إلى آخر، من نافذة إلى باب. الصوت يتسلل بين الجدران، كأن المدينة نفسها تتنفس على وقع دقاته. هذا الإيقاع ليس مجرد صوت؛ هو نبض المدينة، حكاية تمر من بيت إلى بيت، تجمع المارة والساكنة في لحظة مشتركة من الصمت والترقب قبل أذان الفجر.
يوسف أبري لا يظهر للعيان إلا حين تتضح ملامحه أمام الضوء الخافت، يحمل طبلته وكأنه يحمل معها قطعة من الليل. لقد اعتاد الناس على رؤيته في نفس الساعة، بنفس الإيقاع، بنفس الخطوات المرسومة بعناية. الأزقة تعرفه قبل أن يعرفوه هم؛ فالمدينة تحرسه كما يحرسها هو. بين “الكارديوس” و”الكرامة” و”تشومبيرا” و”الميمونيين” في اتجاه مسجد أم القرى، يترك وراءه أثرا يذكرك بأن بعض الأصوات تصنع حضورا دائما في الذاكرة.
في كل ضربة طبل، ينحني يوسف قليلا، وكأن الزمن يتوقف للحظة، ثم يعود للنهوض بخفة. أحيانا ينادي بعض الجيران بأسمائهم إذا تأخروا عن السحور، فيجيبونه من نوافذهم بابتسامة أو دعاء قصير. الحركة بين الأزقة تتحول إلى رقصة صغيرة بين الصوت والصمت، بين المدينة والسكان، بين التقاليد واللحظة الحاضرة. في هذا الوقت، يصبح يوسف جسرا بين الماضي الرمضاني والواقع اليومي، بين الأصالة والبساطة التي تعيشها المدينة.
الناس يعرفون يوسف أبري بساطته، همته وهدوءه أكثر من معرفتهم بالطبلة نفسها. يتعامل مع الجميع بابتسامة، يهتم بالحي الصغير الذي يمر فيه، يعرف أسماء بعض المارة ويحييهم بطريقة تجعل كل لقاء قصير ذا طابع خاص. ومع مرور السنوات، صار وجهه مألوفا لكل من يعيش في تلك الأزقة، صديقا شبه ثابت في حياة المدينة الرمضانية، جزءا من الفجر قبل أن يبدأ يوم جديد، عنصرا يربط بين المدينة وسحر السحور، بين التقليد والإنسانية.
ورغم بساطة الطقس، إلا أن يوسف يمنحه عمقا أكبر؛ طبلته ليست آلة فقط، بل هي إشارة للحياة التي تستيقظ في الأزقة، رمز للترابط الذي يعيشه السكان في تلك الساعة. صوته، حضوره، خطواته البطيئة، كلها صور تجعل المدينة حية حتى قبل طلوع الشمس. في كل سحور، يمر يوسف وكأنه يحمل الليل كله بين يديه، ويمضي، تاركا وراءه أثرا من الحكاية، والنبض، والمدينة التي تعرفه، وتنتظر مروره عاما بعد عام.


