مريم بوفنان
في ظل التغير المناخي الآخذ في الازدياد، فضلًا عن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والنفط التي جلبتها معها الحرب الروسية-الأوكرانية، يزداد تصارع الدول الكبرى من أجل توفير الموارد والأسواق. من تابع مؤتمرات الأخيرة لمجموعة الدول السبع (G7) ومجموعة البريكس (BRICS) سيلاحظ بشكل جلي تنافس هذه الأطر للتعاون مع القارة الإفريقية لإيجاد موطئ قدم من أجل تحقيق أهداف متعددة، أهمها توسعة الآفاق الاقتصادية.
لذا، فإن السؤال المشروع هنا هو ماذا تريد هذه الكيانات من إفريقيا، وما الذي تريده إفريقيا من هذه الكيانات؟ تقتضي الإجابة عن هذا السؤال أن ننظر إلى الوراء قليلًا لنستعرض تاريخ هذه التكتلات وعلاقتها بالدول الإفريقية.
يشير مصطلح «بريكس» إلى كتلة الاقتصادات الناشئة في البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا. وقد صاغه منذ سنوات جيم أونيل، الرئيس السابق لشركة غولدمان ساكس، الذي رأى أن هذه البلدان «أسواق واعدة لرأس المال في القرن الحادي والعشرين». لكن بعيدًا عن نشأة التسمية، فإن دول البريكس كانت ستلتقي على كل حال نظرًا إلى ما يجمعها كبلدان كبيرة سريعة النمو وذات علاقة متناقضة مع اقتصادات المركز التقليدية في الغرب.
عام 2001، توقع أونيل أن تصبح دول البريكس «محركات النمو العالمي»، وبدا في السنوات القليلة التالية أنه على حق، حيث تجاوز أداؤها في جميع مؤشرات النمو الرئيسة -بما في ذلك معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، ومعدل نمو دخل الفرد، ومعدلات عائد الاستثمار- نظيرتها في الولايات المتحدة والاقتصادات الأخرى في الشمال.[1]
عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية عام 2008، بدا أن دول البريكس تتدهور بسبب انهيار أسواقها في الشمال، مع تباطؤ معدلات نموها. لكن رغم ذلك، كان الانتعاش سريعًا، من خلال إعادة تحفيز الدورة الاقتصادية. في الصين، فاقت نتيجة برنامج التحفيز البالغة قيمته 586 مليار دولار نتيجة خطة تحفيز أوباما في الولايات المتحدة، البالغة قيمتها 787 مليار دولار. إذ أدى البرنامج الصيني إلى عكس مسار الانكماش الاقتصادي، ليس فقط في الصين، بل أيضًا في الاقتصادات الآسيوية المجاورة التي أصبحت تعتمد بشكل كبير على السوق الصيني لاستيعاب منتجاتها.
بعد الأزمة، توقع الاقتصادي مايكل سبنس في كتابه «التقارب التالي: مستقبل النمو الاقتصادي في عالم متعدد السرعات» أن تحل دول البريكس محل الولايات المتحدة وأوروبا كمحرك رئيس للاقتصاد العالمي. توقع سبنس أيضًا أن حصة البريكس من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سوف تتجاوز 50%، في غضون عقد من الزمن، وقال إن الكثير من هذا النمو سينبع من «محركات النمو الذاتية في الاقتصادات الناشئة التي ترتكز عليها الطبقة الوسطى الآخذة في التوسع». علاوة على ذلك، مع زيادة التجارة بين دول البريكس، رأى سبنس «أن مستقبل الاقتصادات الناشئة يعتمد على تقليل الاعتماد على طلب البلدان الصناعية».
إفريقيا والبريكس: شراكة مربحة للجانبين
في السنوات العشر الأخيرة، باتت إفريقيا تنظر إلى قمم البريكس كفرصة لتعزيز علاقاتها مع هذه الاقتصادات الناشئة الرئيسية، أو بهدف «شراكات من أجل التكامل والتصنيع». في الواقع، أظهرت إفريقيا إمكانات هائلة من حيث آفاق التنمية الاقتصادية، ووفرة الموارد الطبيعية، وتزايد القوة الشرائية، والتركيبة السكانية المواتية. لذا، وسعت دول البريكس مشاركتها في إفريقيا في السنوات الأخيرة، وشهد نصيبها في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وفي حجم التجارة ارتفاعًا سريعًا. فقد أكدت الهيئة الوطنية العامة للجمارك ببكين، أن حجم التجارة بين الصين وإفريقيا بلغ 254.3 مليار دولار عام 2021، بزيادة بنسبة 35.3% على أساس سنوي. كما عززت الشراكة بين الهند وإفريقيا بشكل كبير تطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة في القارة. وفي الوقت نفسه، تشارك البرازيل وروسيا بشكل كبير في صناعة التعدين والطاقة في إفريقيا من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص.[2]
على عكس الصين وروسيا، كان الدور الذي لعبته البرازيل في ظل حكومة حزب العمال اليسارية -قبل أن يتولى الرئيس اليميني الشعبوي جايير بولسونارو السلطة- في مجالات الاستثمار والتعاون ضئيلًا، لكن كان له انعكاسات إيجابية ملموسة من خلال إطار استراتيجية الحزب للتعاون بين بلدان الجنوب. ففي مجال الزراعة، أُدخل برنامج دعم تطوير صناعة القطن في خمس دول إفريقية (بنين، وبوركينا فاسو، وتشاد، ومالي، وتوغو). كذلك نجحت وكالة البحوث الزراعية البرازيلية في استخدام التكنولوجيا لتطوير أنواع دقيقة من المحاصيل الزراعية، وعملت على نقل هذه التكنولوجيا إلى البلدان الإفريقية لتطوير غابات السافانا. وصنّعت وكالة البحوث الزراعية البرازيلية بالتعاون مع علماء الأحياء المجهرية في غانا نوعًا من الأسمدة الطبيعية غير الكيميائية قادر على مضاعفة إنتاج اللوبيا والكاسافا بتكلفة أرخص وأضمن بكثير من أسمدة الشركات متعددة الجنسيات.



