بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
المواطن 24..
في عالم الهندسة المدنية وأشغال البنية التحتية الكبرى، تظل بعض الابتكارات شاهدة على عبقرية الإنسان في مواجهة التحديات الطبيعية. ومن بين هذه الابتكارات، تبرز تقنية “الحاجز الجاف” أو Cofferdam، التي أحدثت ثورة في أسلوب إنشاء الأساسات وسط الأنهار أو البحار، دون الحاجة إلى العمل تحت سطح المياه.
هذه التقنية تمثل مثالًا حيًّا على المزج بين التخطيط الهندسي الدقيق والحلول العملية التي توفر الأمان والجودة في آن واحد. تقوم فكرة الحاجز الجاف على إنشاء سور محكم من ألواح الصاج أو الحديد الضخمة، المعروفة باسم Sheet Piles، يتم دقّها في قاع النهر أو البحر لتشكل إطارًا مغلقًا حول منطقة البناء المستهدفة.
وبعد إتمام الإغلاق، يتم تشغيل طلمبات شفط مياه عالية القدرة لتفريغ المنطقة الداخلية من المياه، مما يحولها إلى مساحة جافة وسط المجرى المائي، جاهزة لاستقبال أعمال الحفر، وصب الخرسانة، وتركيب التسليح كما لو كانت على اليابسة.
الميزة الجوهرية لهذه التقنية أنها تمنح فرق العمل بيئة آمنة وخالية من مخاطر الغوص أو التعرض للتيارات المائية، فضلًا عن الحفاظ على الدقة الهندسية في تنفيذ الأساسات، وهو أمر بالغ الأهمية
في مشاريع الجسور والمنشآت المائية الكبرى. اقتصاديًا، يختصر الحاجز الجاف زمن الإنجاز ويقلل من تكاليف العمل تحت الماء، إذ يتيح استخدام المعدات التقليدية بدلًا من تجهيزات الغوص المعقدة والمكلفة. وقد ساهمت هذه التقنية في إنجاز عدد من
المشاريع العملاقة عالميًا، كما اتت جزءًا أساسيًا من ممارسات الهندسة الحديثة في المغرب، خاصة في مشاريع البنية التحتية التي تربط بين ضفتي الأنهار أو التي تنفذ في بيئات مائية حساسة. إن
الحاجز الجاف ليس مجرد أداة هندسية، بل هو دليل على أن الإبداع البشري قادر على ترويض الطبيعة لصالح التنمية، مع الالتزام بأعلى معايير السلامة والجودة.



