المواطن24
المواطن 24…الشؤون الدولية.
بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
تشهد الساحة الدولية في السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في التوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، التي تُعد تقليديًا مركزًا حيويًا للطاقة العالمية ومفترقًا استراتيجيًا للمصالح الدولية. وفي ظل الحديث المتزايد عن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبرز تساؤلات جوهرية حول انعكاسات هذا السيناريو على الاقتصاد العالمي، وعلى استقرار الأسواق المالية وسلاسل الإمداد، في سياق يتسم أصلًا بالهشاشة نتيجة الأزمات المتراكمة.
إن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران لا يمكن قراءتها بمعزل عن موقع هذا البلد في المنظومة الطاقية العالمية، إذ يُشرف على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. ووفقًا لنظرية “الاعتماد المتبادل المعقد” في العلاقات الدولية، فإن تعطيل هذا الممر، ولو جزئيًا، سيؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة، وارتفاع حاد في أسعار النفط، ما سينعكس فورًا على تكاليف الإنتاج والنقل، وبالتالي على معدلات التضخم عالميًا.
ومن منظور اقتصادي، فإن هذه الحرب المحتملة ستؤدي إلى ما يُعرف بـ”صدمة العرض”، حيث تتقلص الموارد المتاحة (الطاقة خصوصًا) مقابل طلب عالمي مستمر، مما يخلق حالة من الاختلال الهيكلي في الأسواق. هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، حين أدت التوترات الجيوسياسية إلى ركود تضخمي (Stagflation)، وهو مزيج خطير من التضخم المرتفع والنمو الاقتصادي الضعيف.
أما على مستوى الأسواق المالية، فإن حالة عدم اليقين ستدفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة مثل الذهب والدولار، وهو ما قد يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار العملات والأسهم، خاصة في الاقتصادات الناشئة. كما أن ارتفاع أسعار الفائدة، كأداة لمواجهة التضخم، سيؤثر سلبًا على الاستثمارات وعلى قدرة الدول على تمويل عجز ميزانياتها، خصوصًا تلك التي تعاني من مديونية مرتفعة.
وفي الإطار القانوني الدولي، فإن أي عمل عسكري خارج نطاق قرارات مجلس الأمن يطرح إشكالات عميقة تتعلق بشرعية التدخل، واحترام مبدأ سيادة الدول، المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة. كما أن استهداف منشآت نووية، في حال وقوعه، قد يثير مسؤوليات دولية جسيمة وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين والبيئة.
ومن زاوية اجتماعية، فإن تداعيات الحرب لن تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل ستمتد إلى تفاقم الأزمات الإنسانية، وارتفاع معدلات الهجرة والنزوح، خصوصًا في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة بنيوية. كما أن ارتفاع أسعار المواد الأساسية سيؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية، وزيادة الفوارق الاجتماعية، وهو ما قد يغذي بدوره موجات من الاحتجاجات وعدم الاستقرار الداخلي في عدة دول.
وتُظهر التجارب السابقة أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر حساسية للصدمات الجيوسياسية، بفعل العولمة وتشابك سلاسل القيمة. فالحرب لم تعد حدثًا محليًا، بل أصبحت ذات تأثيرات ممتدة وعابرة للحدود، تمس الأمن الغذائي والطاقي والمالي على حد سواء. وفي هذا السياق، تبرز أهمية تبني مقاربات وقائية قائمة على التنويع الطاقي، وتعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية، وتقوية آليات التعاون الدولي لتفادي الانزلاق نحو أزمات شاملة.
إن العالم اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، حيث لم تعد الحروب تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل بقدرتها على إعادة تشكيل موازين الاقتصاد العالمي، وإعادة توزيع مراكز القوة والنفوذ. ومن هنا، فإن أي تصعيد في الشرق الأوسط، خاصة مع إيران، لن يكون مجرد نزاع إقليمي، بل حدثًا عالميًا بامتياز، ستكون له تداعيات عميقة وطويلة الأمد على النظام الاقتصادي الدولي.
إن الحكمة الاستراتيجية تقتضي تغليب منطق الحوار والتوازن بدل الانزلاق نحو المواجهة، لأن كلفة الحرب، في عالم مترابط، لم تعد تتحملها دولة واحدة، بل يدفع ثمنها العالم بأسره.


