قصبةتادلة:
رشيد البرهمي
في سياق يفترض أن تؤطره قواعد الحكامة الجيدة واحترام المساطر القانونية المنصوص عليها في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، تفجرت معطيات مقلقة وفضيحة مؤسساتية بخصوص تدبير مشروع طرقي بجماعة قصبة تادلة، تكشف عن اختلالات عميقة تمس جوهر المشروعية، وتضع مصداقية القرار الجماعي على المحك.
القصة، كما تتضح من تسلسل الأحداث، بدأت خلال دورة 4 فبراير 2026، حيث اجتمع المجلس الجماعي لقصبة تادلة في دورته العادية، وكان من بين النقط المدرجة اتفاقية شراكة تضم أطرافا وازنة، من بينها وزارة الاقتصاد والمالية، ووزارة التجهيز والماء، وعمالة إقليم بني ملال، إلى جانب المصالح اللاممركزة ورئاسة المجلس الجماعي. غير أن ما كان يفترض أن يشكل لحظة مؤسساتية لتكريس التعاون والتكامل، تحول إلى محطة مثيرة للجدل، بعدما نبهت المعارضة إلى كون الاتفاقية لم تحترم المسار الإداري السليم، ولم تعرض عبر القنوات القانونية المفروضة، وعلى رأسها سلطة الوصاية ممثلة في وزارة الداخلية.
هذا التنبيه لم يكن مجرد ملاحظة شكلية، بل استند إلى قاعدة قانونية واضحة مفادها أن اتفاقيات الشراكة، خاصة تلك التي تترتب عنها التزامات مالية، لا يمكن أن تكتسب قوتها التنفيذية إلا بعد استيفاء شروط التداول والمصادقة والتأشير، بما يضمن مشروعيتها وسلامة تنزيلها، غير أن ما زاد الوضع تعقيدا هو ما كشف عنه بعد أيام قليلة فقط، حين ظهرت في الفضاء العام لوحة تقنية تتضمن معطيات دقيقة حول المشروع نفسه، من قبيل صاحب المشروع، رقم الصفقة، الكلفة المالية، واسم الشركة نائلة الصفقة.
المعطيات الواردة في تلك اللوحة لم تكن عادية، بل تطابقت بشكل لافت مع مضمون الاتفاقية التي صوّت عليها المجلس، لتكشف لاحقا عملية البحث أن الأمر يتعلق بصفقة عمومية تم إطلاقها في إطار طلب عروض رقم 32/2025، بتاريخ فتح الأظرفة في 24 نونبر 2025، أي قبل عرض الاتفاقية على المجلس بأكثر من شهرين، وبغلاف مالي يفوق 11 مليون درهم، تحت إشراف المديرية الإقليمية للتجهيز والماء.
هنا، لم يعد الأمر يتعلق فقط بخلل في التنسيق، بل بإشكال قانوني صريح يضرب في العمق مبدأ تسلسل اتخاذ القرار العمومي ، فكيف يعقل أن يعرض على مجلس جماعي التصويت على اتفاقية يفترض أن تؤطر مشروعا مستقبليا، في حين أن هذا المشروع نفسه قد تم التعاقد بشأنه فعليا ، ومرت صفقة إنجازه عبر المساطر القانونية قبل ذلك بكثير؟ وأي معنى يبقى لعملية التداول داخل المجلس، إذا كان القرار قد اتخذ خارج أسواره، وتم حسمه مسبقا على مستوى آخر؟
الأكثر إثارة للاستغراب هو غياب دور سلطة الوصاية في هذه العملية، حيث لم يتم، بحسب المعطيات المتداولة، تمرير الاتفاقية عبر القنوات الإدارية المعتادة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام آليات المراقبة الإدارية المفروضة قانونا، ويجعل الاتفاقية، من حيث الشكل والمضمون، محل شك في مشروعيتها.
إن هذا الوضع يضع المجلس الجماعي أمام مسؤولية سياسية وقانونية ثقيلة، لأن تمرير اتفاقية فاقدة لسندها الإجرائي، وفي ارتباط بمشروع تم التعاقد بشأنه مسبقا، لا يمكن اعتباره مجرد خطأ إداري، بل قد يصنف ضمن الاختلالات الجسيمة في تدبير الشأن العام، خاصة عندما يتم تجاهل تنبيهات المعارضة، ويتم المضي في مسار يفتقر إلى الشفافية والوضوح.
كما أن ما حدث يطرح بإلحاح سؤال الحكامة داخل المجلس:
إن ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص عليه الدستور، لا يمكن أن يبقى مجرد شعار، بل يقتضي، في مثل هذه الحالات، فتح تحقيق جدي لتحديد المسؤوليات، وترتيب الجزاءات عند الاقتضاء، خاصة وأن الأمر يتعلق بتدبير المال العام وبمشروعية القرارات التي تمس بشكل مباشر ثقة المواطن في مؤسساته.
فالتنمية لا يمكن أن تشيد على اختلال المساطر، ولا على تمرير اتفاقيات “منتهية الصلاحية ” أو فاقدة لأثرها القانوني، بل تقوم على احترام القانون، ووضوح القرار، وصدق الممارسة ، وأي انحراف عن هذه القواعد، مهما حاول البعض تبريره، لا يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة : تقويض الثقة، وإفراغ العمل الجماعي من مضمونه الحقيقي.
فهل سيفتح والي جهة بني ملال خنيفرة وعامل إقليم بني ملال بحثا عميقا وآنيا في الموضوع ؟؟؟



