المواطن 24 :
رشيد البرهمي
في سياق اختلطت فيه الأصوات، وارتفع فيه منسوب الضجيج على حساب المعنى، برزت إطلالة الرفيق نبيل بنعبد الله، الأمين العام لـحزب التقدم والاشتراكية، كحدث سياسي بامتياز، لا كمرور إعلامي عابر ، حضوره كأول ضيف في برنامج “ساعة الصراحة” على القناة الثانية لم يكن تفصيلا بروتوكوليا، بل رسالة واضحة مفادها انه حين تبحث المنابر الجادة عن المصداقية ، فإنها تتجه نحو من يملك الجرأة والكفاءة والتاريخ.
لقد أعاد بنعبد الله، بهدوء الواثق وقوة الحجة، الاعتبار للنقاش السياسي الرصين، في لحظة أصبحت فيها الساحة مرتعا للخطابات الشعبوية والخرجات الانفعالية ، لم يحتج نبيل بنعبد الله إلى رفع الصوت، لأن منطقه كان أعلى بكثير من ذلك؛ ولم يلجأ إلى التهكم، لأن رصيده يغنيه عن ذلك ، كان حاضرا كفاعل سياسي يعرف ما يقول، ولماذا يقوله، وفي أي سياق يضعه.
وإذا كان من تصويبٍ واجب في خضم هذه الإطلالة، فهو ما يتعلق بالمعطيات الرقمية التي تم تداولها بشكل غير دقيق، حيث إن الصفحة الرسمية لـحزب التقدم والاشتراكية تحظى بمتابعة واسعة تناهز 385 ألف متابع، متفوقة على الحساب الشخصي للأمين العام. وهو مؤشر دال على قوة الانتماء لمؤسسة حزبية قائمة على مشروع، لا على أشخاص عابرين.
وفي الجهة المقابلة، يفرض الواقع سؤالا لا يمكن تجاهله: ماذا قدم حزب التجمع الوطني للأحرار ليستحق هذا التموقع المتضخم في الخطاب؟ وأي حصيلة يحملها أمينه العام، عزيز أخنوش، بعد مسار طويل داخل دواليب السلطة؟
إن المفارقة المؤلمة اليوم، أن من أخفق في إقناع الشارع بإنجازاته، يحاول تعويض ذلك بمهاجمة من يملكون وضوح الرؤية وجرأة الطرح ، غير أن السياسة، في جوهرها، ليست حلبة للضجيج، بل فضاء للمساءلة والمصداقية.
لقد أثبتت إطلالة بنعبد الله أن السياسة يمكن أن تكون نظيفة، عميقة، ومسؤولة. وأن الحضور الحقيقي لا يصنع بالآلة الإعلامية، بل يبنى بالتراكم، ويكرس بالمواقف .



