المواطن24
بقلم الأستاذ: اسليماني مولاي عبد الله
في سياق اقتصادي يتسم بتحديات السيولة وضغط التدفقات النقدية داخل المقاولات، جاء تفعيل مقتضيات القانون رقم 69.21 ليؤسس لمرحلة جديدة في ضبط العلاقات المالية بين الفاعلين الاقتصاديين، غير أن المستجد الأبرز الذي فرض نفسه مع اقتراب نهاية شهر مارس 2026، يتمثل في التوجه الحازم للإدارة الضريبية، ممثلة في المديرية العامة للضرائب، نحو توسيع نطاق تطبيق هذا النظام بشكل غير مسبوق، بما يتجاوز المفهوم التقليدي للمقاولة التجارية.
إن هذا التحول يعكس بوضوح إرادة المشرع في الانتقال من مقاربة ضيقة تقتصر على الشركات الكبرى، إلى رؤية شمولية تستهدف كل من يحقق “رقم معاملات” أو بالأحرى “حجم أعمال”، بغض النظر عن طبيعته القانونية أو المهنية. فبعد أن كان التطبيق تدريجياً مقتصراً على المقاولات التي يفوق رقم معاملاتها 50 مليون درهم، ثم 10 ملايين، أصبح اليوم يشمل كل من يتجاوز سقف 2 مليون درهم، وهو ما أدى إلى إدخال فئات جديدة ضمن دائرة الالتزام، من بينها المهن الحرة كالأطباء، وأطباء الأسنان، وشركات الهولدينغ، بل وحتى بعض البنيات المدنية ذات النشاط الاقتصادي.
هذا التوسع يثير نقاشاً قانونياً عميقاً حول طبيعة مفهوم “رقم المعاملات” المعتمد، حيث لم تعد الإدارة تعتمد المفهوم المحاسبي الصرف، بل انتقلت إلى تبني مفهوم أوسع هو “حجم الأعمال”، في قراءة تستند إلى روح النص التشريعي وليس فقط إلى حرفيته. وهو ما يعكس توجهاً نحو تعزيز العدالة الجبائية، من خلال إخضاع كل من يشارك في الدورة الاقتصادية لنفس قواعد الانضباط المالي، دون تمييز بين تاجر ومهني حر.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن قراءة هذا التوجه في إطار نظرية “تسريع دوران السيولة” (Velocity of Money)، حيث إن تقليص آجال الأداء يساهم في تحسين دوران الأموال داخل الاقتصاد، ويحد من ظاهرة اختناق السيولة التي تعاني منها المقاولات الصغيرة والمتوسطة، خصوصاً تلك التي تكون في موقع المورد. فكل يوم تأخير في الأداء يمثل كلفة غير مباشرة، وقد يتحول إلى خطر حقيقي على استمرارية النشاط.
أما على المستوى القانوني، فإن غياب أي استثناء قطاعي، كما أكدته الإدارة، يكرّس مبدأ المساواة أمام الالتزامات الجبائية، ويؤكد أن معيار الخضوع لم يعد مرتبطاً بالشكل القانوني للنشاط، بل بطبيعته الاقتصادية وتأثيره داخل السوق. وهو توجه ينسجم مع المدرسة القانونية الحديثة التي تعتمد على “الوظيفة الاقتصادية للنشاط” بدل التصنيف الشكلي.
غير أن هذا التحول، رغم وجاهته من حيث الأهداف، يطرح تحديات عملية حقيقية، خاصة في ظل الضغط الزمني المرتبط بآجال التصريح، وتزامنه مع التزامات ضريبية ومحاسبية أخرى، كإعداد القوائم التركيبية والتصريحات السنوية. كما أن غموض بعض المفاهيم، خصوصاً بالنسبة للفئات التي لم تكن تعتبر نفسها معنية سابقاً، قد يفتح الباب أمام تأويلات متباينة، ويزيد من مخاطر الوقوع في المخالفات.
وفي هذا الإطار، فإن الغرامات المالية المقررة، والتي قد تصل إلى 20.000 درهم أو 50.000 درهم حسب رقم المعاملات، تعكس الطابع الزجري لهذا النظام، وتؤكد أن الأمر لم يعد مجرد إجراء شكلي، بل التزام جوهري يدخل ضمن منظومة المراقبة الجبائية الحديثة، التي تعتمد على التصريح الذاتي والمساءلة اللاحقة.
إن ما نعيشه اليوم ليس فقط تطبيقاً لنص قانوني، بل هو تحول بنيوي في فلسفة العلاقة بين الدولة والمقاولة، حيث يتم الانتقال من منطق التصريح التقليدي إلى منطق “الامتثال الذكي”، القائم على الشفافية، والتتبع، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري على المقاولات، بمختلف أشكالها، إعادة النظر في منظومة تدبيرها المالي، ليس فقط لتفادي العقوبات، بل للاستفادة من الفرص التي يتيحها هذا التحول، من خلال تحسين علاقاتها مع الموردين، وتعزيز مصداقيتها داخل السوق، والرفع من قدرتها على الاستدامة.
إن قانون آجال الأداء، في صيغته الجديدة، لا يجب أن يُنظر إليه كعبء إضافي، بل كأداة لإعادة التوازن داخل النسيج الاقتصادي، ورافعة حقيقية لإرساء قواعد حكامة مالية حديثة، قوامها الانضباط، والشفافية، والثقة.


