#بقلم_مصطفى_بنفاتح – مراسل جريدة المواطن 24 – ومندوب وطني بالتعاضدية المغربية لحماية المال العام والدفاع عن حقوق الإنسان.
تعيش الأوساط العمالية والشبابية في مدن مثلث الفوسفاط (الجديدة، اليوسفية، وخريبكة) حالة من التوجس والترقب، إثر توقف مفاجئ لنشاط عدد من المقاولات الخاصة المتعاقدة مع قطاع الفوسفاط. هذا التوقف وضع مئات الأسر أمام شبح البطالة، في وقت تثار فيه تساؤلات جوهرية: هل هي تداعيات التقلبات الجيوسياسية العالمية، أم أنها شماعة لتكريس الهشاشة في التشغيل؟
ارتباك سلاسل التوريد والرهانات الدولية
وفقاً لمصادر مهنية، واجهت مقاولات المناولة والوساطة التي تشتغل في إنتاج الأسمدة وتجهيز الشحنات صعوبات أدت إلى تعليق نشاطها. ورغم الاستقلالية الإدارية لهذه الشركات، إلا أن ارتباطها العضوي بمنظومة التصدير لدى المجمع الشريف للفوسفاط (OCP) جعلها في خط المواجهة الأول أمام أي اهتزاز في الأسواق الدولية، خاصة مع اشتداد التوترات الجيوسياسية.
من الإدماج المباشر إلى متاهة المناولة
لفهم جذور هذه الأزمة، يجب العودة إلى التحول الاستراتيجي الذي شهده القطاع منذ عام 2005. فبعد عقود من التوظيف المباشر، انتقلت المؤسسة نحو نموذج المناولة (Sous-traitance). هذا التحول، الذي تم بقرار من الإدارة المركزية وبتزكية من النقابات التمثيلية، كان يهدف لتقليص كتلة الأجور وتحقيق المرونة، لكنه أدى في المقابل إلى خلق عمالة هشة تعيش تحت رحمة تقلبات السوق.
جحود في حق جنود الخفاء
هنا يطرح السؤال الجوهري: من المسؤول عن تسريح عمال قضوا سنوات في الخدمة؟ لا يمكننا نسيان الدور البطولي لهؤلاء العمال خلال جائحة كورونا؛ فبينما توقف العالم، كانت سواعد عمال المناولة هي المحرك الذي حقق أرقاماً قياسية للمجمع. فهل يُكافأ جنود الإنتاج اليوم بإنهاء العقود؟
لغز عقود الثلاثة أشهر وتملص القانون
إن لجوء بعض الشركات لنظام التشغيل المؤقت الذي لا يتجاوز 90 يوماً يمثل، في نظر الفاعلين الحقوقيين، تملصاً صريحاً من مقتضيات مدونة الشغل. إنه هروب إلى الأمام من واجب الترسيم، حيث يُستغل العامل لفترة قصيرة ثم يُستبدل بغيره في تكريس واضح لمنطق الربح السريع على حساب الاستقرار الاجتماعي.
المسؤولية المشتركة: النقابات والمؤسسة
رغم توقيع عدة بروتوكولات إدماج (خاصة بعد عامي 2011 و2021) بوساطة النقابات الممثلة ، إلا أن هذه الحلول ظلت جزئية. فالمسؤولية اليوم مشتركة بين:
القرار الاستراتيجي للمؤسسة: الذي يفضل نظام المناولة كبنية هيكلية.
السياسة الحكومية: التي لم توفر بدائل تشغيلية مستدامة للشباب في أقاليم الفوسفاط.
الدور النقابي: المطالب اليوم بضغط أكبر لفرض حلول جذرية وشاملة بدلاً من القبول بتسويات مؤقتة.
دعوة للشفافية والإنصاف
إن المرحلة تقتضي وقفة حازمة من كافة الأطراف:
المحاسبة والوضوح: كشف الأسباب الحقيقية للتوقف ومنع استغلال الظروف الدولية للتنصل من الحقوق.
إعادة الاعتبار للعمال: وضع حد لسياسة العقود القصيرة وضمان استدامة مناصب الشغل.
التدخل الإقليمي: على السلطات المحلية والجهات الوصية فتح حوار جدي يحمي كرامة الشغيلة ويضمن السلم الاجتماعي.
ويبقى الأمل قائماً في أن تتحرك الضمائر الحية لإنقاذ آلاف الأسر من براثن البطالة والضياع، وإعادة الاعتبار لمنجم الثروة الحقيقي: الإنسان الفوسفاطي.


