المواطن 24.. الصحة.
بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في ظل التحولات الكبرى التي يعرفها النظام الصحي المغربي، خاصة منذ إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية سنة 2021 بتوجيهات ملكية سامية، لم يعد قطاع المصحات الطبية الخاصة مجرد قطاع موازٍ، بل أصبح ركيزة أساسية في تحقيق الأمن الصحي الوطني. وقد تعزز هذا التوجه مع الإصلاحات الهيكلية التي يشهدها القطاع منذ 2023، تحت إشراف وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، والتي تروم إعادة تنظيم المنظومة الصحية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الحكامة، وترسيخ الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
لقد انتقل تدبير المصحات الخاصة من نموذج تقليدي محدود إلى نموذج مقاولاتي مؤسساتي متكامل، يخضع لمنطق الاستثمار والفعالية الاقتصادية، وفي نفس الوقت لمتطلبات الخدمة العمومية الصحية. ويؤطر هذا التحول الإطار القانوني، خاصة القانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، الذي شكل منعطفاً حاسماً في تنظيم العلاقة بين الأطباء والمصحات، وحدد شروط الترخيص والمراقبة والمسؤولية المهنية، وفتح المجال أمام أشكال جديدة من الاستثمار في القطاع الصحي.
وتؤكد الأرقام الرسمية حجم هذا القطاع وأهميته، حيث بلغ عدد المصحات الخاصة بالمغرب حوالي 375 مصحة إلى حدود سنة 2023، بطاقة استيعابية تناهز 10.562 سريراً، إلى جانب أكثر من 10.000 عيادة طبية خاصة وأزيد من 580 مختبراً للتحاليل الطبية، وهو ما يعكس اتساع الشبكة الصحية الخاصة وتنوع خدماتها. كما عرف عدد مهنيي الصحة ارتفاعاً ملحوظاً، حيث تجاوز 59.000 مهني سنة 2024، مقابل حوالي 47.000 سنة 2020، رغم استمرار الخصاص مقارنة بالمعايير الدولية، إذ لا يتجاوز معدل الأطباء حوالي 4 أطباء لكل 10.000 نسمة.
وفي إطار تعزيز العرض الصحي، انخرط المغرب في برنامج استثماري مهم، شمل تأهيل حوالي 1400 مؤسسة صحية أولية، وإضافة 2300 سرير جديد، مع برمجة مشاريع مستقبلية بطاقة تفوق 9000 سرير إضافي في أفق السنوات المقبلة، وهو ما يعكس إرادة الدولة في إعادة هيكلة المنظومة الصحية بشكل شامل. كما يحتل المغرب مراتب متوسطة على الصعيد الدولي في مؤشرات الرعاية الصحية، مما يعزز الحاجة إلى تطوير الجودة وتحسين الأداء.
وفي هذا السياق، تلعب المصحات الخاصة دوراً محورياً في تنزيل نظام التأمين الإجباري عن المرض، الذي تشرف عليه الوكالة الوطنية للتأمين الصحي، حيث أصبحت تستقبل أعداداً متزايدة من المؤمنين، مما يفرض عليها التكيف مع متطلبات الفوترة، والتعويض، واحترام المساطر التنظيمية بدقة عالية.
غير أن فهم فعالية تدبير المصحات الخاصة يقتضي التعمق في بنيتها الداخلية، حيث تتكون المصحة من وحدات متكاملة تشمل الاستقبال والتسجيل، الاستشارات الطبية، قسم المستعجلات، وحدات الاستشفاء، غرف العمليات، مصلحة الإنعاش، مختبر التحاليل، قسم الأشعة، الصيدلية، إضافة إلى مصالح الدعم كالتعقيم والصيانة والنظافة. هذه المكونات تشكل منظومة مترابطة تهدف إلى ضمان استمرارية الخدمة وجودتها.
وتنقسم المصالح داخل المصحة إلى ثلاث فئات أساسية: المصالح الطبية التي تضم الأطباء والجراحين، والمصالح شبه الطبية التي تشمل التمريض والتقنيين، ثم المصالح الإدارية والتقنية التي تؤمن التدبير المالي والموارد البشرية ونظم المعلومات. ويعكس هذا التقسيم الطبيعة المركبة للمصحة كمؤسسة تجمع بين العلاج والتسيير المقاولاتي.
أما السلم الإداري، فيقوم على هيكلة هرمية واضحة تبدأ من مجلس الإدارة أو المالك، مروراً بالمدير العام، ثم المدير الطبي، فالمدير الإداري والمالي، وصولاً إلى رؤساء المصالح، ثم الأطر الطبية وشبه الطبية، فالأطر الإدارية والتقنية، وأخيراً الأعوان. ويضمن هذا التنظيم وضوح الاختصاصات وتوزيع المسؤوليات، في إطار مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتتعدد المناصب داخل المصحة لتشمل المناصب القيادية (مدير عام، مدير طبي، مدير إداري ومالي)، والمناصب الطبية (أطباء، جراحون، أطباء تخدير)، والمناصب شبه الطبية (ممرضون وتقنيون)، والمناصب الإدارية (محاسب، مسؤول موارد بشرية، مسؤول فوترة)، إضافة إلى المناصب التقنية ومناصب الدعم. ويعكس هذا التنوع ضرورة التكامل بين مختلف الفاعلين لضمان جودة الخدمات الصحية.
وفي ظل المستجدات الراهنة، يشهد القطاع تحولات نوعية أبرزها الرقمنة الصحية، من خلال اعتماد أنظمة معلومات استشفائية، وربط المصحات بمنصات التأمين، مما ساهم في تحسين الشفافية، وتقليص آجال التعويض، وتعزيز مراقبة النفقات الصحية. كما يشهد القطاع نقاشاً متزايداً حول مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية للخدمات الطبية، بما يضمن التوازن بين كلفة العلاج وقدرة المواطنين على الولوج للخدمات.
كما تتجه الدولة نحو تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، في إطار إصلاح شامل يهدف إلى توسيع العرض الصحي وتحقيق العدالة المجالية، وهو ما يجعل المصحات الخاصة شريكاً استراتيجياً في تنزيل السياسات الصحية، وليس مجرد فاعل ثانوي.
إن تدبير المصحات الطبية الخاصة بالمغرب، في ضوء هذه المعطيات الواقعية والأرقام الرسمية، أصبح رهانا استراتيجيا يتجاوز البعد التقني والإداري، ليشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وقانونية عميقة. ومن ثم، فإن نجاح هذا القطاع يظل رهينا بقدرته على التكيف مع الإصلاحات الجارية، واعتماد نموذج تدبيري حديث، قائم على الجودة، والشفافية، والامتثال القانوني، في خدمة المواطن، وتعزيز مكانة المغرب كفاعل إقليمي في المجال الصحي.


