المواطن 24… القانون.
بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في خضم التحول الرقمي الذي يشهده التدبير العمومي بالمغرب، لم تعد الرقمنة مجرد أداة تقنية لتبسيط المساطر أو تسريع تقديم الخدمات، بل أصبحت تحولا بنيويا عميقا مس جوهر الوظيفة الإدارية، حيث انتقل جزء كبير من نشاط المرافق العمومية من الفضاء المادي التقليدي إلى فضاء رقمي قائم على المنصات الإلكترونية والنظم المعلوماتية ومعالجة البيانات. هذا التحول النوعي يفرض إعادة طرح سؤال قانوني محوري يتعلق بمدى خضوع النشاط الإداري الرقمي لمبدأ المشروعية، باعتباره حجر الزاوية في بناء القانون الإداري وضمان دولة القانون والمؤسسات.
إن مبدأ المشروعية، في جوهره، يقتضي خضوع الإدارة للقانون في جميع تصرفاتها، بحيث لا يجوز لها أن تتخذ أي قرار أو إجراء إلا استنادًا إلى نص قانوني يبرره ويحدد نطاقه. غير أن الانتقال إلى الإدارة الرقمية أفرز أشكالًا جديدة من النشاط الإداري، مثل القرارات المؤتمتة، والخدمات الرقمية التفاعلية، ومعالجة البيانات الضخمة، وهو ما يطرح إشكالية مدى قدرة القواعد القانونية التقليدية على استيعاب هذه التحولات المتسارعة.
ومن منظور النظرية القانونية، فإن المدرسة الوضعية ترى أن المشروعية تظل قائمة ما دام هناك إطار قانوني ينظم النشاط، غير أن الواقع الرقمي يتجاوز أحيانًا هذا الإطار، خاصة في ظل تسارع الابتكار التكنولوجي مقارنة ببطء التشريع. وهنا تبرز المدرسة الواقعية التي تدعو إلى تطوير القاعدة القانونية لتواكب التحولات الرقمية، حتى لا تتحول الإدارة الرقمية إلى مجال خارج نطاق الرقابة القانونية.
أما من الناحية الاقتصادية، فإن الرقمنة تندرج ضمن منطق تحسين الكفاءة وتقليص التكاليف، حيث تساهم في تقليص الزمن الإداري، وتخفيض تكاليف المعاملات، وتحسين جودة الخدمات العمومية. غير أن هذه الفعالية الاقتصادية قد تصطدم أحيانًا بمتطلبات المشروعية، خاصة عندما يتم اعتماد خوارزميات أو أنظمة مؤتمتة لاتخاذ قرارات إدارية دون وضوح كافٍ في معاييرها أو إمكانية الطعن فيها، مما يطرح إشكالية الشفافية والمساءلة.
وفي هذا السياق، يطرح مفهوم “المشروعية الرقمية” نفسه كامتداد حديث لمبدأ المشروعية التقليدي، حيث لا يكفي أن يكون القرار الإداري مستندًا إلى القانون، بل يجب أيضًا أن تكون آليات اتخاذه الرقمية خاضعة لمبادئ الشفافية، وقابلية التتبع، وحماية المعطيات الشخصية، وضمان حق المواطن في الولوج إلى المعلومة والطعن في القرارات الصادرة في حقه. فالإدارة الرقمية، رغم طابعها التقني، تظل إدارة عمومية ملزمة باحترام الحقوق والحريات الأساسية.
ومن زاوية اجتماعية، فإن التحول الرقمي، رغم ما يتيحه من فرص، قد يخلق نوعًا من الإقصاء الرقمي لفئات لا تتوفر على الولوج إلى الوسائل التكنولوجية أو الكفاءات الرقمية، وهو ما يطرح تحديًا أمام مبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية. وبالتالي، فإن المشروعية لا تقتصر على احترام النص القانوني، بل تمتد لتشمل تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص.
وفي التجربة المغربية، يظهر أن الدولة قد انخرطت بشكل فعلي في مسار الرقمنة، من خلال إطلاق مجموعة من المنصات الإلكترونية، ورقمنة الخدمات الإدارية، وتبسيط المساطر، في إطار إصلاح شامل للإدارة العمومية. كما تم تعزيز الإطار القانوني المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، وتكريس الحق في الولوج إلى المعلومات، وهو ما يعكس إرادة واضحة في تأطير التحول الرقمي قانونيًا.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في اعتماد الرقمنة، بل في ضمان خضوعها الكامل لمبدأ المشروعية، من خلال تطوير النصوص القانونية، وتعزيز الرقابة القضائية والإدارية على القرارات الرقمية، وضمان شفافية الخوارزميات، وتمكين المواطن من آليات فعالة للطعن والتظلم. فالإدارة الرقمية لا يجب أن تتحول إلى “صندوق أسود” يصعب فهمه أو مساءلته، بل يجب أن تكون أكثر وضوحًا وخضوعًا للمساءلة من الإدارة التقليدية.
إن الرهان المستقبلي يتمثل في بناء إدارة رقمية ذكية، لكنها في نفس الوقت قانونية، شفافة، وعادلة، تحترم مبدأ المشروعية في أبعاده التقليدية والحديثة، وتوازن بين الفعالية التقنية وضمان الحقوق والحريات. فنجاح الرقمنة لا يقاس فقط بسرعة الخدمات، بل بمدى احترامها للقانون وثقة المواطن فيها.
وإن التحول الرقمي للإدارة العمومية يشكل فرصة تاريخية لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والإدارة على أسس جديدة قوامها الثقة والشفافية والنجاعة، غير أن هذه الفرصة تظل رهينة بمدى قدرة المنظومة القانونية على مواكبة هذا التحول وضمان خضوعه لمبدأ المشروعية، باعتباره الضامن الأساسي لدولة الحق والقانون.


