المواطن 24 بآسفي:عبد الرزاق كرون.
إن مرض السرطان، بآلامه الجسدية والنفسية والاقتصادية، يفرض على المجتمع بأسره مسؤولية أخلاقية وإنسانية عميقة. إنه ليس مجرد ابتلاء شخصي للفرد المريض وعائلته، بل هو جرح ينزف في جسد المجتمع يتطلب تضامناً وتعاوناً مكثفين. في خضم هذه المعاناة، يبرز خطر استغلال ضعف المرضى وبيع معاناتهم، وهو ما حذرت منه بشدة السيدة مريم الحاتمي، رئيسة الجمعية المغربية لمرضى السرطان. إن هذه التحذيرات ليست مجرد رد فعل على ظواهر سلبية عابرة، بل هي دعوة صريحة لتصحيح المسار، وضمان أن لا يتحول ألم الفرد إلى سلعة تجارية، وأن تظل كرامة المريض فوق أي اعتبارات أخرى.

إن الحديث عن استغلال مرضى السرطان يفتح أبواباً واسعة لعدة أشكال من الإساءة، تبدأ من الاستغلال المادي المباشر وتنتهي بالاستغلال المعنوي والنفسي. ففي الجانب المادي، قد نجد من يستغل حاجة المرضى الماسة للعلاج والدعم المالي في الترويج لمنتجات وهمية أو غير فعالة، أو في جمع تبرعات لا تصل إلى مستحقيها، أو حتى في فرض أسعار باهظة على خدمات ضرورية. هذه الممارسات، وإن كانت لا تمثل الغالبية العظمى من الفاعلين في المجال الصحي والإنساني، إلا أنها تترك بصمة سلبية عميقة وتثير الشكوك حول الجهود المبذولة لمساعدة هؤلاء المرضى. السيدة الحاتمي، من خلال موقعها على رأس الجمعية المغربية لمرضى السرطان، تقف في خط الدفاع الأول ضد هذه الظواهر، مستخدمة صوتها ومنصتها لتسليط الضوء على هذه الانتهاكات ووضع حد لها.
إن معاناة مرضى السرطان تتجاوز الألم الجسدي. فهي تشمل التكاليف الباهظة للعلاج، والحاجة المستمرة للدعم النفسي والاجتماعي، والخوف من المستقبل، والعزلة التي قد يشعر بها البعض. كل هذه الجوانب تجعلهم فئة ضعيفة وهشة، تحتاج إلى عناية خاصة وحماية مشددة. الاستغلال هنا يأخذ شكلاً آخر، وهو استغلال هذه الهشاشة لتحقيق مكاسب شخصية، سواء كانت مادية أو حتى معنوية. قد يتم استغلال قصص المرضى المؤثرة في حملات تسويقية لا علاقة لها بالدعم الحقيقي، أو في بناء سمعة مزيفة على حساب معاناة الآخرين. إن هذا النوع من الاستغلال هو الأكثر بشاعة، لأنه يستغل أعمق مشاعر الإنسانية، كالتعاطف والرحمة، ليحولها إلى أدوات نفعية.
تأتي تحذيرات السيدة مريم الحاتمي في سياق جهود الجمعية المغربية لمرضى السرطان لضمان توفير بيئة داعمة وآمنة للمرضى. فالجمعية، كمنظمة مجتمع مدني، تلعب دوراً حيوياً في سد الفجوات التي قد تخلفها الأنظمة الصحية الرسمية، وتقديم الدعم اللازم للمرضى وعائلاتهم. هذه الجهود تشمل تقديم المساعدة المالية، وتوفير الدعم النفسي، والتوعية حول المرض، والدفاع عن حقوق المرضى. عندما تحذر رئيسة الجمعية من استغلال هذه المعاناة، فإنها لا تقوم بذلك كنوع من التخويف، بل كمسؤولية تقتضيها طبيعة عملها، وهي حماية الفئة التي تمثلها من أي شكل من أشكال الإساءة.
إن ما يميز تحذيرات السيدة الحاتمي هو تأكيدها على أن مرضى السرطان ليسوا سلعاً تباع وتشترى، وأن معاناتهم ليست مدعاة للربح السهل. هذه الرسالة تحمل في طياتها بعداً أخلاقياً قوياً، تذكرنا بأن التعامل مع مرضى السرطان يجب أن يقوم على أسس الرحمة والإنسانية، لا على أسس التجارة والمصلحة. عندما يبيع البعض معاناتهم، فإنهم لا يبيعون مجرد آلامهم، بل يبيعون كرامتهم، وإنسانيتهم، وأملهم في الشفاء. وهذا ما تسعى الجمعية، بقيادة السيدة الحاتمي، إلى منعه وحمايته.
من الأمثلة الحية على هذا الاستغلال، قد نجد بعض الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي التي تنشر قصصاً مؤثرة لمرضى، ثم تستغل هذه القصص لجمع تبرعات لمشاريع وهمية أو غير واضحة المصدر. كما يمكن أن نجد حالات ترويج لأعشاب أو علاجات غير مثبتة علمياً، تدعي الشفاء من السرطان، مستغلة يأس المرضى ورغبتهم في إيجاد أي حل. هذه الممارسات ليست فقط استغلالاً لمعاناة المرضى، بل هي أيضاً خطر على صحتهم، حيث قد تؤخر العلاج الفعلي وتؤدي إلى تدهور حالتهم.
إن دور الجمعية المغربية لمرضى السرطان، برئاسة السيدة الحاتمي، يتجاوز مجرد تقديم الدعم المادي. فهو يشمل أيضاً دوراً توعوياً وتنظيمياً. فمن خلال نشر الوعي بين أفراد المجتمع حول حقوق مرضى السرطان، ومن خلال العمل مع الجهات الرسمية لتطوير السياسات الداعمة، تسهم الجمعية في بناء منظومة صحية وإنسانية أكثر عدلاً وكفاءة. تحذيراتها المستمرة ليست مجرد ردود فعل، بل هي جزء من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى حماية المرضى وتعزيز حقوقهم.
إن الاستراتيجية الفعالة لمواجهة استغلال مرضى السرطان تتطلب تضافر جهود متعددة. أولاً، يجب على الجهات الرقابية، سواء كانت حكومية أو مجتمعية، تكثيف مراقبتها على المنظمات والأفراد الذين يتعاملون مع هذه الفئة الضعيفة. ثانياً، يجب زيادة الوعي لدى المرضى وعائلاتهم بحقوقهم، وكيفية التفريق بين المساعدات الحقيقية والممارسات الاستغلالية. ثالثاً، يجب على وسائل الإعلام لعب دور مسؤول في تسليط الضوء على هذه الظواهر، ولكن بطريقة تحمي خصوصية المرضى ولا تزيد من معاناتهم. وأخيراً، يجب على المجتمع ككل أن يتبنى موقفاً صلباً ضد أي شكل من أشكال استغلال مرضى السرطان، وأن يدعم المنظمات الموثوقة التي تعمل بجد لتقديم العون والدعم.
إن قضية مرضى السرطان هي قضية إنسانية في المقام الأول. إنها تتطلب منا جميعاً أن نضع الإنسانية والرحمة فوق أي اعتبار آخر. تحذيرات السيدة مريم الحاتمي ليست مجرد كلام، بل هي صرخة مدوية تدعو إلى اليقظة والمسؤولية. إنها دعوة إلى أن لا نسمح للضعف أن يتحول إلى فرصة للاستغلال، وأن لا نسمح للمعاناة أن تتحول إلى سلعة تجارية. إن مستقبل مرضى السرطان، وكرامتهم، وأملهم، يعتمد على مدى استجابتنا لهذه التحذيرات، وعلى مدى إيماننا بأنهم يستحقون كل الدعم والحماية، وليس الاستغلال والبيع. إن العمل المشترك، المبني على القيم الإنسانية السامية، هو السبيل الوحيد لضمان أن لا يتعرض هؤلاء المرضى لأي شكل من أشكال الإساءة، وأن تظل معاناتهم محور اهتمام وتعاطف، لا سلعة في سوق الاستغلال.



