المواطن 24 بآسفي: عبد الرزاق كرون.
في قلب إقليم آسفي، حيث تتناغم الطبيعة الصحراوية مع عبق التاريخ، تقع جماعة دار القائد سي عيسى. لطالما عانت هذه الجماعة من تحديات جمة، أبرزها ضعف الموارد الاقتصادية والاجتماعية، مما ألقى بظلاله على مستوى معيشة سكانها، ودفعها في كثير من الأحيان إلى دوامة التهميش. إلا أن المشهد شهد تحولًا لافتًا بفضل قيادة سياسية اتسمت بالهدوء والرؤية الثاقبة، تمثلت في شخص السيد عبد اللطيف بوجنان، رئيس الجماعة. لقد نجح بوجنان، بسياساته الرصينة وجهوده الدؤوبة، في انتشال جماعته من وهدة التهميش، ووضعها على سكة الرقي والتنمية، رغم القيود المفروضة من قلة الموارد.
إن مسيرة عبد اللطيف بوجنان في قيادة جماعة دار القائد سي عيسى هي قصة نجاح ملهمة، تجسد قدرة القيادة الحكيمة على تحقيق المستحيل. لم تكن الطريق مفروشة بالورود، بل كانت مليئة بالعقبات والتحديات. فجماعة دار القائد سي عيسى، كغيرها من الجماعات القروية في المناطق المهمشة، تعاني من نقص حاد في البنية التحتية الأساسية، وشح في فرص العمل، وندرة في الخدمات العمومية. هذه المعطيات لم تكن لتثني عزيمة بوجنان، الذي آمن بقدرة العمل الجماعي والإصرار على تجاوز الصعاب.
تميزت قيادة بوجنان بأسلوبها الهادئ والمتزن. فهو لم يكن من دعاة الشعبوية أو الخطابات الرنانة، بل اعتمد على العمل الميداني الملموس، والتشاور المستمر مع سكان الجماعة، وفهم عميق لاحتياجاتهم وتطلعاتهم. لقد أدرك مبكرًا أن التنمية الحقيقية لا تأتي من فراغ، بل تتطلب تخطيطًا دقيقًا، وتعبئة للموارد المتاحة، واستثمارًا ذكيًا في القدرات البشرية.
من أبرز الإنجازات التي حققها السيد بوجنان هو تركيزه على تطوير البنية التحتية الضرورية. فقد عمل جاهداً على تعبيد الطرق الداخلية، وإنارة الشوارع، وتوفير مياه الشرب النقية للسكان. هذه المشاريع، التي قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، إلا أنها شكلت نقلة نوعية في حياة سكان الجماعة، حيث سهلت حركة التنقل، وحسنت الظروف الصحية، وساهمت في خلق بيئة أكثر جاذبية للعيش والاستثمار. لم تكن هذه المشاريع مجرد تحسينات مادية، بل كانت رمزًا لإعادة الأمل والثقة في نفوس السكان، الذين شعروا أخيرًا بأنهم جزء لا يتجزأ من منظومة التنمية الوطنية.
بالإضافة إلى البنية التحتية، أولى بوجنان اهتمامًا خاصًا بالقطاع التعليمي والصحي. فقد سعى إلى دعم المدارس القائمة، وتوفير المستلزمات التعليمية اللازمة، وتشجيع التعليم وخاصة بين الفتيات. كما عمل على تحسين مستوى الخدمات الصحية، من خلال تعزيز المراكز الصحية المحلية، وتوفير الأدوية الأساسية، والتنسيق مع الجهات المعنية لضمان وصول الرعاية الصحية للسكان. هذه الجهود لم تكن وليدة المصادفة، بل كانت نتيجة لفهم عميق لدور التعليم والصحة في بناء مجتمع قوي ومستدام.
لم يقتصر عمل عبد اللطيف بوجنان على الجوانب الخدمية والاجتماعية، بل امتد ليشمل الجانب الاقتصادي. ورغم محدودية الموارد، استطاع بوجنان أن يفتح آفاقًا جديدة للتنمية الاقتصادية في جماعته. فقد شجع على الاستثمار في القطاعات التي تتمتع بها الجماعة بميزات نسبية، مثل الزراعة والصناعات التقليدية. من خلال توفير الدعم للمزارعين، وتشجيعهم على تبني تقنيات حديثة، وربطهم بالأسواق المحلية والإقليمية، استطاع أن يحسن من دخلهم ويساهم في تحسين مستوى معيشتهم. كما عمل على دعم الحرفيين والجمعيات التعاونية، من خلال توفير التدريب والتسويق لمنتجاتهم، مما ساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل جديدة.
من الأمثلة الحية على نجاح سياسات بوجنان هو مشروع تنمية زراعة الزيتون في الجماعة. فقد أدرك الإمكانات الكبيرة لهذه الزراعة، وعمل على توفير الدعم الفني والمالي للمزارعين، وتشجيعهم على زراعة أصناف جديدة ذات إنتاجية عالية. وقد أسفرت هذه الجهود عن زيادة ملحوظة في إنتاج الزيتون، وتحسين جودته، مما أتاح للسكان فرصًا جديدة لتحسين دخلهم من خلال بيع الزيتون ومنتجاته. كما شجع على إقامة مشاريع صغيرة لمعالجة الزيتون وإنتاج زيت الزيتون عالي الجودة، مما ساهم في خلق قيمة مضافة وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات المحلية.
لم يكن تحقيق هذه الإنجازات ممكنًا لولا الرؤية الاستراتيجية للسيد بوجنان، وقدرته على بناء شراكات قوية مع مختلف الجهات المعنية. فقد عمل على تعزيز التعاون بين الجماعة والسلطات الإقليمية، والوزارات المختلفة، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص. هذه الشراكات مكنته من جذب الاستثمارات، وتوفير الدعم الفني والمالي اللازم للمشاريع التنموية، وتجاوز العقبات البيروقراطية التي غالبًا ما تعيق سير العمل في المناطق القروية.
إن نجاح عبد اللطيف بوجنان لا يكمن فقط في المشاريع التي أنجزها، بل في الأسلوب الذي اتبعته قيادته. فقد أثبت أن الهدوء والتأني، مقرونين بالإصرار والتفاني، يمكن أن يحققا نتائج مبهرة. لم ينجرف وراء الوعود الفارغة أو الحلول السريعة، بل اعتمد على التخطيط الاستراتيجي، والعمل الدؤوب، والمشاركة المجتمعية. لقد أظهر أن القيادة الفعالة ليست مجرد سلطة، بل هي مسؤولية، وأن أسمى أشكال القيادة هو خدمة المجتمع وتحقيق رفاهيته.
لقد نجح بوجنان في غرس ثقافة جديدة في جماعة دار القائد سي عيسى، ثقافة تقوم على الأمل، والعمل، والمشاركة. لقد استطاع أن يلهم السكان، ويحفزهم على المشاركة في جهود التنمية، ويجعلهم شركاء فاعلين في بناء مستقبلهم. هذه المشاركة المجتمعية كانت ولا تزال حجر الزاوية في استدامة هذه المشاريع التنموية.
في الختام، يمكن القول بأن عبد اللطيف بوجنان هو نموذج للسياسي الهادئ والمحنك، الذي استطاع، رغم قلة الموارد، أن يحول جماعة دار القائد سي عيسى من منطقة مهمشة إلى واحة من الرقي والتقدم. لقد أثبت بمسيرته أن الإرادة الصلبة والرؤية الواضحة هما مفتاح النجاح، وأن القيادة الحقيقية تتجلى في القدرة على خدمة الناس وتحسين حياتهم. إن قصته هي شهادة على أن التنمية ممكنة حتى في أصعب الظروف، وأن القيادات المخلصة القادرة على تجسيد الإرادة الجماعية هي الدافع الحقيقي نحو بناء مستقبل أفضل. لقد ترك بوجنان بصمة لا تُمحى في تاريخ جماعته، وهو إرث سيظل يلهم الأجيال القادمة في سعيهم نحو الرقي والازدهار.
Voir moins



