-جريدة المواطن 24 المراسل الصحفي خليل لغنيمي
لم يعد خافيًا على أحد أن العلاقة بين المواطنين والمرشحين تعيش اليوم حالة من التوتر غير المسبوق، عنوانها الأبرز هو فقدان الثقة. هذا الإحساس لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من الممارسات التي عمّقت الهوة بين الفاعل السياسي والمواطن، حتى أصبح العزوف عن المشاركة السياسية موقفًا جماعيًا يحمل في طياته رسالة احتجاج صامتة ولكنها قوية.
لقد كان الأمل، في فترات سابقة، معقودًا على الاستحقاقات الانتخابية باعتبارها آلية للتغيير وتحقيق التنمية والاستجابة لتطلعات المواطنين. غير أن هذا الأمل بدأ يتآكل تدريجيًا، مع توالي التجارب التي لم تُحقق الوعود المرفوعة خلال الحملات الانتخابية. فكم من شعارات براقة رُفعت، وكم من التزامات قُطعت أمام المواطنين، لكنها سرعان ما تبخرت بمجرد الوصول إلى مراكز القرار.
إن نفور المواطنين من المرشحين اليوم لا يعكس فقط حالة من اللامبالاة، بل هو في جوهره تعبير عن خيبة أمل عميقة. فالمواطن الذي كان في السابق يتابع البرامج الانتخابية ويقارن بينها، أصبح اليوم ينظر بعين الشك إلى كل خطاب سياسي، معتبرًا إياه مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب وليس لخدمة الصالح العام.
ومن بين الأسباب الرئيسية التي ساهمت في هذا الوضع، نجد غياب المصداقية، وضعف التواصل المستمر مع المواطنين، وانعدام الشفافية في تدبير الشأن العام. كما أن تكرار نفس الوجوه السياسية، دون تقديم حصيلة مقنعة، زاد من حدة هذا الشعور، وجعل المواطن يفقد الإيمان بجدوى التغيير عبر صناديق الاقتراع.
ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه بعض الممارسات المش.بوهة، مثل استغلال النفوذ أو توظيف المال في الانتخابات، في تعميق أزمة الثقة. فهذه السلوكيات تسيء للعملية الديمقراطية برمتها، وتُكرس فكرة أن المنافسة ليست مبنية على الكفاءة والنزاهة، بل على الإمكانيات المادية والعلاقات.
أمام هذا الواقع، أصبح العزوف الانتخابي ظاهرة مقلقة، تعكس انسحاب شريحة واسعة من المواطنين من الفعل السياسي. غير أن هذا الانسحاب، رغم كونه مفهومًا في سياق الإحباط العام، قد تكون له تداعيات سلبية على المسار الديمقراطي، حيث يفتح المجال أمام إعادة إنتاج نفس النخب ونفس الممارسات التي يرفضها المواطن.
إن استعادة ثقة المواطنين ليست مهمة سهلة، لكنها ليست مستحيلة. فهي تتطلب أولًا إرادة حقيقية لدى الفاعلين السياسيين لتغيير أساليبهم، والقطع مع كل الممارسات التي أساءت إلى صورة العمل السياسي. كما تستدعي اعتماد الشفافية في التدبير، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك المواطن في اتخاذ القرار، ليس فقط خلال الانتخابات، بل بشكل مستمر.
وفي المقابل، يبقى للمواطن دور أساسي في هذه المعادلة، من خلال اليقظة والمتابعة والمساءلة، وعدم الاستسلام لليأس أو الانسحاب الكامل. فالتغيير الحقيقي لا يتحقق إلا بتظافر الجهود، وبإرادة جماعية تؤمن بأن الإصلاح ممكن، رغم كل التحديات.
ختامًا، يمكن القول إن فقدان الثقة بين المواطن والمرشح هو جرس إنذار حقيقي، يستدعي وقفة تأمل جادة من جميع الأطراف. فإما أن يتم تدارك الوضع عبر إصلاحات عميقة تعيد الاعتبار للعمل السياسي، وإما أن يستمر هذا النزيف، بما يحمله من مخاطر على مستقبل المشاركة الديمقراطية والتنمية الشاملة.


