المواطن 24
خريبكة في ميزان الإبداع: حين تتقاطع الرؤى الإفريقية لصياغة عدالة سينمائية جديدة
في لحظة ثقافية مشبعة بالدلالات، يطل المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة مجددا، لا باعتباره تظاهرة فنية عابرة، بل كفضاء رمزي يعيد مساءلة علاقة السينما الإفريقية بذاتها وبالعالم. وتكتسي هذه الدورة طابعا خاصا، إذ تتزامن مع مرور تسعة وأربعين عاما على ميلاد هذا الموعد الذي نجح في ترسيخ حضوره ضمن خارطة المهرجانات القارية والدولية.
هذا الامتداد الزمني لا يختزل في استمرارية رقمية، بل يعكس مسارا متدرجا من التراكم، حيث استطاع المهرجان أن يحافظ على روحه الإفريقية الأصيلة، دون أن ينغلق عن التحولات الجمالية والتقنية التي أعادت تشكيل لغة السينما عالميا. ومن هذا المنظور، تأتي اختيارات لجان التحكيم في هذه الدورة كترجمة عملية لرغبة واعية في تجديد الرؤية وتعميق النقاش النقدي.
فقد راهنت إدارة المهرجان على تركيب لجنتين للتحكيم تنبنيان على تنوع الخلفيات المهنية والثقافية، في محاولة لخلق توازن دقيق بين تعدد المرجعيات ووحدة المعايير. وهو رهان يبدو، في ظاهره، منسجما مع روح السينما الإفريقية التي تتغذى من التعدد، لكنه يفتح، في العمق، نقاشا مشروعا حول مدى قدرة هذا التنوع على إنتاج أحكام عادلة، خاصة في ظل تباين الذائقات الجمالية وتعدد سياقات الإنتاج.
في مسابقة الأفلام الطويلة، أُسندت رئاسة لجنة التحكيم إلى ALEX MOUSSA SAWADOGO، وهو اسم ارتبط بحضور وازن في دوائر السينما الإفريقية والدولية، إلى جانب كل من PAULINE SYLVIANE GBOULOU، وSOUAD HOUSSEIN، وLÉONCE NGABO، ثم CHERQUI AMEUR. وهي تركيبة تعكس تلاقح تجارب تمتد من غرب القارة إلى شمالها وشرقها، بما يحمله ذلك من ثراء في زوايا النظر وأساليب التلقي.
أما مسابقة الأفلام القصيرة، فقد أوكلت رئاستها إلى EL JAOUHARY ABDELILAH، بعضوية كل من TCHEDRE M’MAKA وACHÉ AHMET MOUSTAPHA، في تشكيلة تُراهن بدورها على توازن دقيق بين التجربة والخلفية الثقافية.
ولا يمكن قراءة هذه الاختيارات بمعزل عن التحولات التي تعرفها السينما الإفريقية اليوم إذ لم تعد مجرد حامل للهوية، بل أصبحت مختبرا جماليا يعيد صياغة السرديات، ويكسر القوالب النمطية، وينفتح على قضايا كونية بلغة بصرية متجددة. ومن ثم، فإن مهمة لجان التحكيم تتجاوز إصدار الأحكام إلى ملامسة هذا التحول واستيعاب تعقيداته.
لقد ظل مهرجان خريبكة، منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وفيا لرسالته في جعل السينما الإفريقية منصة للتعبير والتلاقي. غير أن التحدي الراهن لم يعد يكمن فقط في صون هذا الإرث، بل في إعادة ابتكاره، بما يضمن استمراريته ضمن مشهد سينمائي سريع التحول.
وبين رهانات التجديد وأسئلة الإنصاف، تبقى أعين المتتبعين معلقة على ما ستسفر عنه هذه الدورة، ليس فقط من حيث الجوائز، بل من حيث قدرتها على إعادة تعريف معنى أن تُحاكم السينما الإفريقية نفسها بنفسها.



